راعي الأبرشية / محاضرات

  • 28 Jul 2015

    العلاقة بين الليترجيا والقانون الكنسي

     

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في اللقاء الليترجي الأول

    "العلاقة بين الليترجيا والقانون الكنسي"

    الربوة في 18/4/2015

                                                                                                                                                 بروتوكول 79/2015

    شكراً لصاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث الكلي الطوبى لدعوتنا إلى هذا اللقاء، إنه الليترجي الأول في كنيستنا، وجميل أن نواكبه في هذا العمل العلمي. شكراً للأب الياس شتوي الشريك الأساسي في اللجنة الليترجية.

    الحديث عن العلاقة بين القانون والليترجية لهو أمر نابع من ذهنية المشترع الغربي، البابا، وبعيد نوعاً ما عن ذهنية كنائسنا الشرقية. في الشرق مفهوم الإلتزام يرتبط بالأسقف وتدبيره "الإيكونوميا" بينما في الغرب الإلتزام يأتي من النص القانوني.

    بعد الفوضى الليترجية التي حصلت شرقاً مع الإنتماء للغرب. كان لا بد من إستعارة الذهنية القانونية الغربية. نلقي الضوء على ما حدث، ثم كيف ضبط القانون مستلحقاً إنقاذ تراثنا والحفاظ عليه.

    يشكل القانون والليترجيا الإختبار الحسي للكنيسة ويسهمان معا في خلاص النفوس. هذا التعبير "خلاص النفوس" والذي يعبر عنه الشرقيون بتعبير آخر وهو "التأله"DEIFICATION تعكس واقع الأسرار لاسيما الإفخارستيا حيث يتم عمل الخلاص. الكنيسة هي المؤسسة الإلهية والإنسانية معا غنية بالعلامات الظاهرة لكن وخاصة بتلك غير المرئية وهي موضوع تأمل المؤمنين.

    في هذا السياق يكمل الحق القانوني مسيرة الكنيسة. فبين القانوني والليترجي محاكاة متبادلة والحقلان يتكاملان في تحقيق النظام الكنسي الذي يؤدي إلى خلاص النفس. أحدهما يتعاطى الأفعال الظاهرة، أي القانون، والآخر مرئية وغير مرئية الليترجيا.

    تحديات وانحرافات:

    إنطلاقا من أن الليترجيا هي المكان الذي يظهر الإيمان بامتياز lex orandi lex credendi، فتأخذ قيمتها من العقيدة التي تعكسها في الصلاة وبالتطابق مع الحق القانوني الذي يكودر الطريقة والعقيدة قانونيا. من هنا كان على الكنائس الشرقية الكاثوليكية تعديل بعض كتبها الليترجية لتصبح مطابقة للانتماء الكاثوليكي. لكن بعض هذه الكنائس غال في إدخال عناصر لاتينية في طقوسها الخاصة.

    نرى مثلا أن بعض هذه الكنائس تأثرت بالمنهجية اللاتينية في اعتبار الأعياد فعدّلت رزنامتها الشرقية على أساس التنظيم اللاتيني ما سمح بإدخال متناقضات في الهوية والمنهجية.

    من خصائص التقليد الشرقي النظرة الخلاصية mystagogique  لليترجيا كونها تعكس خبرة التأله وتميزها عن الليترجيا اللاتينية. نعطي أهمية كبرى في الشرق للمشاعر، لوضعية الجسد، للحواس... ولا نهتم كثيرا لمبدإ التوقيت ولكيفية حدوث السر واكتماله خلال الإحتفالات الطقسية بالأسرار. وكذلك لا نعطي أهمية لموضوع صحة وجواز الأسرار دون أن نقع في الطرف الآخر من فوضى الاحتفال الأسراري.

    إذا ما تحدثنا عن ليتنة الليترجيا الشرقية، فالأمر أبعد من الحديث عن إدخال المسبحة  الوردية أو درب الصليب أو العبادة للقلب الأقدس لكن بالحري في هذه الذهنية التي تبعد المؤمن الشرقي عن مصادر الأنتروبولوجية والثقافية. ونشير هنا إلى أن التبادل والاستعارات من طقس إلى آخر كانت دوما تتم عبر التاريخ لكن دون أن تؤذي روحية الطقوس.

    كنائس عديدة شرقية أدخلت عناصر لاتينية في طقوسها. كالكنيسة المارونية التي أدخلت الأعياد المذكورة أعلاه. والكنيسة الملكية أدخلت عيد الجسد بعد العنصرة وزيارة مريم لأليصابات في 23 حزيران. أما عن الحبل بلا دنس فالنصوص البيزنطية الليترجية تعلم هذه الحقيقة دون إعلانها عقيدة.

    لن نعرض وضع سائر الكنائس لئلا تطول اللائحة ويكبر التحسر على الطابع الشرقي لكنائسنا. لكن دلت الخبرة على أن الشرقيين متمسكين بالعناصر اللاتينية وكأنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من طقوسهم. حتى قال أحد الرهبان "إذا سألت لاتينيا عن مقاطع ليترجية سقط استعمالها في الكنيسة اللاتينية فيرشدك كل راهب شرقي كيف يتم استعمالها".

     في هذا السياق كان على القانون تصويب مسار هذه التحديات. وكمقدمة للتشريع لا بد من التوقّف عند الجهود المجمعية الفاتيكاني الثاني.

    الجهود المجمعية:

    الوثيقة sacrosanctum concilium تشير إلى النقاط الأساسية في كل من الليترجيتين اللاتينية والشرقية  وتؤكد ضرورة الحفاظ على النصوص الليترجية في كل من الطقوس وعدم تحويرها أو الانتقاص منها.

    الوثيقة Orientalium Ecclesiarum رقم 3 يؤكد أن الكنيسة غنية في التنوع وفي الوحدة ضمن التنوع. وإذا ما قل عدد المؤمنين الشرقيين في المنشإ كما في الذياسبورا فلا يعني ذلك أن ليترجية الأكثرية يجب أن تحل مكان الليترجية الأساس. والمقصود بالليترجية اللاتينية.

    في الرقم 6 من "الكنائس الشرقية" تدعو الكنيسة الشرقيين أنفسهم ليبقوا أمناء على تقليدهم وطقوسهم. ويدعو الرؤساء الكنسيين اللاتين حيث هناك مؤمنون شرقيون أن يحترموا طقوس هؤلاء ويبتعدوا عن استئصالهم من جذورهم الشرقية.

    في القرار عينه ورد مبدأ الوحدة في التنوع.  إذ بالرغم من تنوع التقاليد الشرقية إلا أنها متحدة عضويا بقوة وتكاملها يؤلف تقليدا corpus ليترجيا متناسقا. ويدعو القرار إلى إجراء مقارنات مستمرة من قبل الدارسين بين تقليد شرقي وآخر لمعرفة نقاط التقارب في المصدر والتنوع في التطبيق.

    في 14 آب عام 1988، ألمح البابا يوحنا بولس الثاني في صلاة بحسب الطقس القبطي الإسكندري، ألمح إلى ضرورة التنبه في إحداث التجديدات في النصوص الليترجية. ودعا الرؤساء الكنسيين الشرقيين ألا يخونوا انتماءهم لتقاليدهم المحددة وأن كل تجديد ليترجي يجب أن يرتكز على معرفة عميقة بأصل كل طقس وكل ثقافة.

    الليترجيا ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية:

    تعود العلاقة بين الليترجيا والقانزن إلى عصور غابرة. منذ المجامع المسكونية و"القوانين المقدسة" تشهد على ذلك. فالمجمع الأول 325 في نيقيا وفي القانون رقم 20 منه يصدر مراسيم ليترجية متعلقة بحركات المصلين وقت الصلاة. ومجمع لاوديسا 341 في القانون 15 يتحدث عن الكتب الطقسية للمرنمين. والقانون 16 يلزم قراءة الإنجيل يوم السبوت في الكنيسة الغربية أما في الشرق فمجتمعاتنا المحلية مليئة بالمراسيم التشريعية ذات الطابع الليترجي.

    في ما يتعلق بمجموعة قوانين الكنائس الشرقية فقد عدّلت هذه المجموعة القوانين السابقة واجابت على التطلعات الحالية للمؤمنين. وليس الأمر بالسهل لأن تعددية الطقوس تقف عقبة ف يتطوير ما يلزم.

    نجد في القانون رقم 7  أن كل مؤمن ملزم أن يعيش إيمانه بحسب تقليد كنيسته. والقانو 39 يلزم بالحفاظ على الطقوس التي تعتبر كلها تراثا كنسيا هاما. والمقصود بالتراث هي المعطيات الليترجية واللاهوتية والروحية والتنظيمية. وبالفعل فإن ملئ سر الله يتجسد في الظروف التاريخية وفي ثقافات الشعوب ويعبر عنه بطرق مختلفة مناسبة لكل كنيسة وضمن العبور من كنيسة إلى أخرى دون المساس بالكنيسة الأصلية (راجع المادة 35).

    تلتزم الكنيسة بحسب هذه المادة 35 أن تتوجه بنوع صريح إلى الكنائس الشرقية كجتمعة أو إلى إحداها كل مرة تريد أن تنظم أمرا ليترجيا. وإلا فلا تعتبر رسائل وتوجيهات الكرسي الرسولي ملزمة للشرقيين.

     

    الحفاظ على الكتب الطقسسية:

    الصلاحيات الاساسية كما وردت في المادة 657 (المعطوفة على المادة 40) من م.ق.ك.ش. تتوزع كما يلي:

    الموافقة عليها: يوافق على الكتب الطقسية البطررك بموافقة سينودس اساقفة الكنيسة البطريركية.

    تعديل الكتب: من صلاحية الكرسي الرسولي. وتأتي الموافقة بعد التعديل وليس قبله.

    ج-تقرير عن الكتب واستعمالها: للبطريرك ويرفعه للكرسي الرسولي.

    د-المطابقة بين القديم والجديد: كذلك للبطريرك بموافقة س.أ.ك.ب.

    تجدر الإشارة إلى أن تعليمات المجمع الشرقي بخصوص تطبيق الحق القانوني للمسائل الليترجية للشرقيين الصادر في 6 ك2 1996 شددت على القوانين 22-23 من المجموعة القانونية دون أن تغير فحواها. لكنها اضافت موافقة الكرسي الرسولي عل كل هذه المراحل السابق ذكرها.

     

    البعد المسكوني:

    وحدة الكنائس من أهم رسالات الكنائس الشرقية (قرار الكنائس الشرقية رقم 24).

    لذا فأي تغيير في النصوص الليترجية يؤذي هذه الوحدة مع الكنائس المقابلة الأورثوذكسية. وأعطت تعليمات المجمع الشرقي أهمية كبرى على أن تكون الكنائس الأورثوذكسية موافقة ولو ضمنا على كل تعديل ليترجي يحدث في الكتب الطقسية الكاثوليكية ضمن التقليد الواحد.

    في سياق الوحدة فالمشاركة بالأسرار المقدسة وجب أن تؤخذ بعين الإعتبار في النصوص الليترجية بحسب القانون. فالمادة 671 بند 1 تجيز للمؤمن الكاثوليكي ولسبب وجيه حضور احتفالات الكنائس الأورثوذكسية لكن دون المناولة المقدسة. من هذه الأسباب : القربى العائلية، الصداقات، الحزن، ... وكذلك بالنسبة للمؤمن غير الكاثوليكي اي الأورثوذكسي غذا ما وجد في الاحتفالات الكاثوليكية.

    أما البند 2 من القانون عينه فيسمح للكاثوليك وللأورثوذس تناول القربان المقدس في كنيسة الآخر إذا تعذر الوصول كل إلى كنيسته.

    يضيف "قواعد مسكونية" (1990) 122 بضرورة احترام قواعد الأورثوذكس إذا ما كانت أكثر تضييقا عل مؤمنيها وهي كذلك. أي قد لا تسمح بالمناولة بتاتاً أو أخذ الإذن مسبقاً.

    الرقم 124 من القواعد ذاتها يشير إلى ضرورة الإلتزام بالصوم الإفخارستي وتكرار المناولات وممارسة سر التوبة للمؤمنين الأورثوذكس الذين يؤمون كنائسنا وبحسب قواعد كنائسهم.

    المادة 671 بند 3 يتحدث عن استقبال المؤمنين الأورثوذكس الطالبين بشكل عفوي، أي اضطراري، ممارسة أسرار التوبة والإفخارستيا ومسحة المرضى لدى الكاثوليك. على أن يكونوا أهلا لتقبل الأسرار بحسب قواعدهم.

    ويترك القانون للشرع الخاص بكل كنيسة التشريع في هذا الخصوص.

    البند 5 من 671 يلزم الكنائس الكاثوليكية التشاور مع تلك الأورثوذكسية بكل هذه الحالات والتوافق معا على إخراج لا يؤذي أحدا. (راجع أيضا التوجيهات المسكونية رقم 107).

    تنشئة الكهنة:

    تعالج هذه المسألة المادة 343  والمادة 346 بند 2 رقم 3.

    المادة 343: تطلب أن يبق الإكليريكي على علاقة بكنيستة الأم واطلاع على تراثها ومعرفة بطقوسها حتى ولو خدم في كنيسة أخرى وانتمى إليها. ويلغي القانون كل عادة مخالفة وما أكثرها.

    المادة 346 تشير إلى ضرورة الإلتزام بامراسيم الليترجية في كل من الطقوس من قبل الكهنة حملة الصلاحية الاحتفال بعدة طقوس وعدم المزج بينها.

     

    القوانين الخاصة:

    يتحدث القانون 1493 عن عادات مشروعة وقوانين خاصة بالكنائس الشرقية. وهي غير الشرع الخاص. وبين هذه العادات والقوانين هناك رسومم ليترجية. وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه القوانين الخاصة قد تم رفضها سابقا لارتباطها بمجموعة قوانين أخرى لاهوتية وتنظيمية مرفوضة من قبل الكرسي الرسولي. فرفضت باقة القوانين كلها بالرغم من استعمال الليترجية منها حتى من الكرسي الرسولي أحيانا.

    بهذا الصدد نعود إلى المادة 3 من م.ق.ك.ش. التي تعطي صفة الملزمة للرسوم الليترجية ما لم تكن مناقضة للقوانين العامة.

    خاتمة:

    إن الطابع الروحي للرسوم الليترجية يحتاج إلى الطابع الإلزامي للقوانين العامة. لذا فالعلاقة بين القانون والليترجية تنبع من هذا المبدإ لتدخل الرسوم حيز التنفيذ.

    التوجه العام في الكنيسة هو الحفاظ الدقيق على الطقوس والتراث وإلغاء الفوضى الحاصلة، فكان للقانون كلمته في هذا الصدد وباختصار القانون هو حامي الليترجية.

     

     

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME