راعي الأبرشية / محاضرات

  • 28 Jul 2015

    مداخلة بين الديمغرافيا والجغرافيا

     

    مداخلة للمطران إيلي بشارة الحداد

    في المركز الكاثوليكي للإعلام

    بعنوان "بين الديمغرافيا والجغرافيا"

    في 16/ 8 /2011

                                                                                                                بروتوكول 172 /2011

    عنوان يلفت الإنتباه إلى التلاصق بين الوجود والأرض. فلا وجود من دون أرض ولا تطور من دون عوامل ديمغرافية طبعت تاريخ الشعوب.

    في هذين العنوانين نلحظ عدة أبواب تطال مجتمعات العالم أجمع ولكن أيضاً مجتمعنا اللبناني. علماً بأن التطور الحاصل على الصعيد العالمي هو طبيعي بينما ما يحصل على الأراضي اللبنانية فهو مصطنع.

    الديمغرافيا الصينية مثلاً شغلت العالم وستشغله أكثر فأكثر في دوامة الإقتصاد والإنتشار الصيني في العالم أجمع والمنافسة في اليد العاملة والتجارة والصناعة وما شابه. بحيث أن الجغرافيا الصينية لم تعد تسع الصينيين وهناك ظاهرة تصيين العالم لاسيما أوروبا وأميركا. والعيون منشدة إلى هذا الواقع الذي يعتبره العالم خطيراً بينما يعتبره الصينيون إيجابياً.

    الديمغرافيا الأوروبية في انحسار ملحوظ في بعض البلدان ودراماتيكي في أخرى. وتغزو أوروبا شعوب جديدة تبدل طابع الأوروبيين. وهؤلاء يعيشون تارة في قلق وطوراً بروح إنفتاحية يقبلون التغيير والواقع.

    أما في بلدان الشرق الأوسط وبخاصة لبنان. فالديمغرافيا ظاهرة تلحق بالطائفية وذيولها. حتى إن الجغرافيا أصبحت واقعاً شبه طائفي إن لم نقل طائفي بامتياز. وما نشاهده منذ توقف الحرب الحامية أي في أوائل التسعينات، حرباً باردة في تقسيم لبنان إلى جغرافيا الطوائف. ولكل طائفة خريطتها وللبنان الحالي خريطة ديمغرافية مغايرة لما نشأ عليه لبنان الكبير.

    ليست هي المرة الأولى ما تتبدل وقائع الديمغرافيا والجغرافيا في لبنان. فكل طائفة تحتفظ بذكرياتها حول مدى انتشارها في هذه أو تلك من البقع اللبنانية. وبات السباق اليوم على التمركز في البقاع التي كانت الطوائف تحتلها قبل الإختلاط العام للسكان ببعضهم البعض. هذا الإختلاط الناتج عن التفاعل التجاري والحياتي والعائلي وغيره. فتسارع الفعاليات المالية إلى شراء هذا العقار وكأنها تسترجعه من الجغرافيا وتعيده إلى التاريخ. فالسباق على التاريخ وليس على الجغرافيا. والسباق ليس ديمغرافياً فحسب إنما لاسترجاع ما فقد بالأمس.

    هذا التموضع الديغرافي الجغرافي التاريخي الجديد القديم في لبنان إنما هو تحضير للبنان جديد "كالشرق الأوسط الجديد". إنها مؤامرة الخوف على الخائفين. واللبناني خائف على كل شيء ومن كل الناس. إنها الفوبيا ما بعد الحرب. إنها البارانويا اللبنانية التاريخية. تقوقع وخوف ثم حقد وحرب ودمار.

    لم يتعلّم اللبناني أنه قيمة بحد ذاته تفوق الطوائف والأحزاب. لم تكفِ حروب البلاد المتكررة لإيقاظ شعار لبناني جديد ودائم: لبنان للجميع. بل كل لبنان لكل اللبنانيين.

    إن "حرب الآخرين على أرضنا" مستمرة على الساحة اللبنانية. تعوّدنا أن نكون أداة لتغذية هذه الحرب وللتفرقة. لم نتعوّد أن نبني وطناً بل طوائف. والأسوأ في الموضوع أننا نحمل الأديان عبئ انقساماتنا. والديانات بريئة من ذلك. الأوروبيون رموا بكل مساوئهم على الكنيسة أيضاً. إنها ظاهرة تخلّف عند الشعوب. لكنها ظاهرة ضعف في المؤسسات الدينية. فالمشايخ والأساقفة والكهنة عندما ينزلقون إلى الخطاب الطائفي يغرقون الأديان في متاهة الطائفية. بينما الأديان أسمى بذلك بكثير.

    تعالوا يا أيها اللبنانيون نعيد الحوار بين بعضنا في أي لبنان نريد. فنجنّب أجيال المستقبل الضياع والتفكك والحسرة على حب الوطن وعلى خسارة الوطن معاً.

    هناك ظاهرة الإنعزال تبدو تشق طريقها من جديد في المناطق اللبنانية. فكل طائفة تسارع إلى شراء عقارات تلتقي في بوتقة الطائفة ذاتها. ونتسابق على الممرات الاستراتيجية والأمنية والإقتصادية. ونحمي الحدود ونؤمن الجيرة الحسنة ألخ. إنها ظاهرة مرضية يدفع اللبنانيون عامة ثمنها غالياً والمسيحيون بشكل خاص. فبيع الأراضي يطال المناطق المسيحية أكثر من سواها. وهدف المسيحيين "مرقد عنزة" في فرنسا أو في كندا أو سواها.

    الخطر مداهم. وكل تقوقع يؤدي إلى المزيد من التقوقع حتى داخل الطوائف. لم نواجه بعد الخطر الأكبر في ما بعد الطائفية ألا وهو الإديولوجيات الأصولية التي تفتت أكثر داخل البيت الواحد. وكل نزف نضع له حداً منذ الآن نوفر على بلدنا التفتت. فالشرق الأوسط الجديد متجه نحو التفتت. فليكن لبنان ماشياً عكس السير.

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME