راعي الأبرشية / محاضرات

  • 07 Apr 2016

    الكنيسة الكاثوليكية والأقليات

    محاضرة لسيادة المطران ايلي بشارة الحداد في جامعة الروح القدس الكسليك يوم الخميس 7 نيسان 2016

     

    الكنيسة الكاثوليكية والأقليات

     

     

    مقدمة : من هم الأقليات ؟

    1. نظرة الكنيسة والبابوات إلى الشخص البشري وحقوق الإنسان فردا ومجموعات أقلية أو أكثرية.
    2.  مسائل جدلية

    خاتمة

    مقدمة: من هم الأقليات؟

    في الحديث عن موقف الكنيسة الكاثوليكية من الأقليات لا بد من أن نأخذ بعين الاعتبار التطور الذي شهدته هذه الكنيسة عبر التاريخ. فبين قرار قسطنطين الملك 312 حيث المسيحية دين الإمبراطورية، والثورة الفرنسية 1789 حيث المسيحية متهمة، تتباين المواقف حول موضوع الأقليات. في السابق كان الحديث عن كنيسة ضامنة لحقوق الناس. والآن الكنيسة المدافعة عن حقوق الناس وبخاصة الأقليات عبر مواقف معنوية ومبادئ فلسفية وقانونية واجتماعية في وجوب احترام الإنسان وحقوقه.

    في الحديث عن موقف الكنيسة الكاثوليكية من الأقليات بعد الثورة الفرنسية، تتنوع الأهداف المرجوة وتصبح غامضة لكثرة تنوعها. فهناك الأقليات الدينية والعرقية والمهنية والجنسية والوطنية والفكرية والسياسية وسواها من الفئات التي تنطبق عليها هذه التسمية من حيث القيمة العددية. ومنها أقليات ذات حق مشروع وأخرى غير مشروع. وقد تسمى مجموعة ما أقلية في إطار محدّد بينما تكون أكثرية في إطار آخر، كالفريق الحاكم والذي يضم شريحة أقلية دينية لكنها تضم محازبين ومحبذين في الفكر والسياسة. وقد تكون بعض الأقليات تظلم الأكثرية كالأنظمة ذات الأقلية الطاغية. وسنرى أيضا أن بعض الأقليات لا تنطبق عليها القيم التي تعتبرها الكنيسة قيما سامية منسجمة مع القانون الطبيعي والإلهي. لهذه الأسباب وغيرها لا نجد موقفا رسميا من الكنيسة الكاثوليكية تجاه الأقليات. بل تتوزع هذه المواقف على عناوين عديدة تطال الأقليات، مثل الشخص البشري، حقوق الإنسان، الحرية الدينية، الكرامة البشرية، السلام وسواها مشابهة. هذا لا ينفي في بعض الأحيان ذكر الأقليات مباشرة في خطابات ورسائل البابوات ومرسليهم لدى الحديث عن مشكلة محددة في منطقة معينة معرّضة لتهميش فئة من الناس عديدها قليل. وفي سياق هذه المواقف المباشرة وغير المباشرة لا عجب في أن تكون الكنيسة الكاثوليكية بمعظم الأحيان مدافعة عن الأقليات المسيحية لكن دون إهمال المطالبة بمصالح أقليات أخرى معرّضة للخطر وكلها أقلية عددية. لكن وجب التلميح إلى أن في مضمون كلّ من هذه الخطابات بعدٌ يتخطى العددية نحو مفهوم أنتروبولوجي وديني وإيديولوجي منسجم مع تعليم الكنيسة الاجتماعي والعقائدي. لذا وجدنا من الضروري أن نبحث عن موقف الكنيسة الكاثوليكية تجاه الأقليات في معرض البحث عن حقوق الإنسان ومفهوم الشخص البشري من الناحية النظرية التعليمية أو من الناحية العملية المتجسدة في خطابات البابوات ومواقفهم العملية. وقد اخترنا اتباع التسلسل الكرونولوجي للأحداث الذي يفي بالغرض أكثر من المسار التحليلي البحت.

    1. نظرة الكنيسة والبابوات إلى الشخص البشري وحقوق الإنسان فردا ومجموعات أقلية أو أكثرية.

    شكّل الفكر الكنسي تمهيداً واضحاً لشرعة حقوق الإنسان (10 كانون الأول 1948) وعلى مرّ العصور. ومما لا شك فيه بأن العصور الوسطى كانت الأغنى بالتعليم الكنسي على هذا الصعيد. إذ كان من الضروري أن تجيب المواقف الكنسية على النظريات الفلسفية والقانونية التي تحدد مفهوم الشخص البشري وكرامته. ثم ودوره في المجتمع في جميع ميادينه. وتدين الكنيسة في موقفها للقديسين أغسطينوس وتوما الأكويني في نظريتهما للإنسان.[1]

    كتب المؤلفون الكنسيون في مطلع القرن السادس عشر عدة مؤلفات للرد على النظريات الواردة آنذاك حول الكائن البشري، والتي أتت بعد اكتشاف العالم الجديد، وذلك لإعطاء حقوق الإنسان وواجباته موضعاً خاصاً وأساسياً في التعامل بين الشعوب. ونجد لدى هؤلاء الكتّاب الأسس الواضحة لحقوق الإنسان. ولو لم تكن هذه الأسس مدرجة ضمن شرعة مبوبة ومعنونة بشكل منظم.[2]

    لم تكن مسيرة الكنيسة فيما لحق في القرنين الأخيرين هادئة وبعيدة عن المواجهات، لا سيما ضد النظريات الليبرالية والعلمانية. ولا بد من أن نذكر الثورة الفرنسية (1789) وما تركته من أثر على هذا الصعيد. فهذه الثورة حملت على السلطة "الإكليريكية" واصطدمت بها وبالقيم التي تنادي بها. مما دفع البابوات لمعارضة بعض مفاهيمها الأساسية التي لا تنظر إلى الإنسان بالكرامة عينها كما تنظر إليه الكنيسة.[3]

    شعرت الكنيسة ذاتها بأنها أقلية بمواجهة تيار مدني جارف. فحاول البابوات آنذاك مواجهة الواقع فخفّ الحديث عن الأقليات وكرامة الإنسان وتركزت الاجتهادات على مفهوم الدول والمجتمع. إلى أن كانت هناك نقطة تحول بدأت مع البابا لاون الثالث عشر (1889)، الذي أعطى الأسس الواضحة للكنسية حول بناء الدولة والمجتمع البشري مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية. وتحدث بشكل خاص عن علاقة السياسة بالكنيسة ودور المسيحي السياسي. فاعترف بحق الدول أن تكون سيدة ذاتها، مستقلة، شرعية منفصلة عن السلطة الكنسية. لكن أعطى أيضاً الحق للكنيسة بأن تكون مجتمعاً مستقلاً بحد ذاته، يستمد مكوّناته من الطبيعة الخاصة الإلهية والإنسانية معاً. ولا مجال لتأثير الواحد على الآخر من المجتمعَين، ولكلّ منهما بعده الخاص الذي يكمّل الآخر ولا ينقضه. وكلاهما أيضاً يكمّلان حاجة الإنسان الواحد للسلام والطمأنينة والآخر لعيش البعد الروحي بهدف خلاص نفسه. هذا ما نلاحظه في الرسائل البابوية للبابا لاون الثالث عشر. وأهمها رسالة "الحرية"، (1889)، ورسالة "الله الأزلي" (1892)، ورسالة "الحكمة المسيحية" (1893)[4].

    أشار هذا البابا في رسائله إلى النقاط المشتركة بين القيم التي تسيّر الديمقراطية في الدول الحديثة وبين القيم التي تقرّ بها الكنيسة على أنها محافظة لكرامة الإنسان. [5] وجاءت قمة أعمال البابا لاون الثالث عشر رسالة حبرية أسماها "الأشياء الجديدة" عام 1891،[6] والتي تحدث فيها عن الحق بالعمل، الأجر العادل، الراحة الواجبة، إحترام حقوق المرأة والطفل في عالم العمل، ألخ. وكان لهذه الرسالة صدى كبيرا في أوساط العمال والأفراد والمجتمعات. واعتبرت المحامية عن حقوق الأقليات المهمشة على اختلاف أنواعها.[7]

    من جهته البابا بيوس الحادي عشر، في رسالته "أربعون سنة" (1931) والتي يقصد بها أربعون سنة بعد "أشياء جديدة"[8]، يذكّر بهذه الأخيرة وبأهميتها أمس واليوم إذ تتشابه الأوجه في تهميش الأقليات وبعدم تأمين حقوق الإنسان، لكنه يضيف بعض المبادىء الأخرى الضرورية. من هذه المبادىء دور الدول في التنمية الإجتماعية والإقتصادية للحفاظ بشكل أفضل على حقوق الفرد والجماعات.[9] ويعود ليسهب في رسالة أخرى "المخلص الإلهي" (1937) حول رأي الكنيسة في الشخص البشري. ولا يمكن إهمال ما قاله حول الحق الطبيعي للفرد والعائلة بشكل يناقض النظريات الفاشية آنذاك: الشيوعية السوفياتية، النازية والحركة المكسيكانية وسواها.[10]

    لا ننسى أنه في عهد هذا البابا تمت معاهدة الكونكوردا بين الكنيسة والدولة الإيطالية (1929). وتم تبادل الأرض بالاعتراف المعنوي بدولة الفاتيكان وحمايتها دوليا. وربما هذه هي المرة الأولى التي تشعر الكنيسة ذاتها أنها أقلية من حيث العدد، وتحاول الاستعاضة بدورها المعنوي وتأثيره في العالم أجمع،[11] لاسيما تعزيز الانطلاق نحو أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا عبر إرساليات نجحت في تثبيت إيمان الكنيسة في تلك البقع.

    أما البابا بيوس الثاني عشر (1939) فقد حدد مواقف عديدة في مفهوم الكنيسة حول الحقوق الأساسية للإنسان، كاحترام الحياة الجسدية والفكرية والروحية. كذلك ركّز على احترام الزواج كمؤسسة تبني العائلة نواة المجتمع.[12] أما في الخطاب الإذاعي عام 1944 فقد طالب بحق كل مواطن للإشتراك في ممارسة السلطة المدنية والخدمات العامة.[13]

    ومع تزامن وجود البابا بيوس الثاني عشر مع الحرب العالمية الثانية فقد نادى بإعادة بناء المجتمع البشري على أسس عادلة مستبعداً كل عبودية للإنسان.[14]

    وكان نصيب الكنيسة الكاثوليكية اعتراف الأمم المتحدة بها كدولة ذات سيادة واستقلال ورئيسها يتمتع بما لرؤساء الدول من حقوق مساهمة في وضع شرعة حقوق الإنسان.[15]

    أما بابوية يوحنا الثالث والعشرين، فقد تميزت بتدعيم الفكر الفلسفي والاجتماعي حول الإنسان كفرد وحول الجماعات وحمايتها في العالم. ورسائله وهي "أم ومعلمة" و"سلام على الأرض" و"تطور الشعوب" تشهد على أهمية الشخص البشري ومحوريته في حقوق الشعوب. كذلك أعطت هذه الرسائل أهمية لدور الشعوب مجتمعة وليس فقط للفرد، وضرورة تكوين عمل مشترك عالمي وذي طابع سياسي واقتصادي لحماية مصالح الأمم وتأمين حق الإنسان.[16]

    أما بولس السادس الذي أطلق يوم السلام العالمي عام 1967 في 8 كانون الأول،[17] وهذا إنجاز حقا ساهم في إيقاظ الضمير العالمي حول هذه القيمة الأساسية أي السلام والتي تعطي الشعوب الطمأنينة أفرادا وجماعات، يتحفظ على شرعة حقوق الإنسان لأنها لا تملك قوة تنفيذية.[18] ونراه يتابع قيادة المجمع الفاتيكاني الثاني وطبعه بشخصيته. دعم هذا المجمع بتعليمه أيضاً الفكر الكنسي حول الشخص البشري وحول حقوق الإنسان. ففي الوثيقة "فرح ورجاء" و"الكنيسة في عالم اليوم" يظهر نضوج التفكير الكنسي بخصوص الإنسان وكرامته وحقوقه. ولا مجال لتحقيق ذلك إلا من خلال الدول المنظمة قانونياً وسياسياً.[19]

    تظهر الوثيقة الراعوية "فرح ورجاء" المصدر الإلهي للإنسان كونه على صورة الله خالقه. ومن هنا تنبع كرامته وأهمية الحفاظ على حقوقه الأساسية. ومن هنا أيضا ضرورة التعاون بين المجتمع البشري، الدولة، والمجتمع الكنسي لتحقيق الوحدة في الشخص ببعديه الإلهي والإنساني معاً.[20] وتتحدّث "فرح ورجاء" رقم 12 وما يلحق، عن الكرامة البشرية. وتقول بأن هذه الكرامة نابعة من البعد الكريستولوجي أي المسيحاني لها. إذ أعطى الله من خلال المسيح أعظم كرامة وقدر للإنسان بأنه أرسل ابنه الوحيد على صورة إنسان لخلاصه. هذا الإبن هو مثال لنا في الأخوة البشرية. "ما تريد أن يفعله الناس بك إفعله أنت أيضاً بهم" (لوقا 36،6). فلما لا نتبع مثال السيد المسيح الذي صلب لأجل البشر وأحب العالم حباً أدى إلى موته وقيامته.

    لم يهمل الفاتيكاني الثاني مسألة المسنين. ففي القرار "فرح ورجاء" رقم 67، دعت الكنيسة إلى احترام أولئك الذين أتعبتهم الأيام. ولم يهمل كذلك "الاهتمام بالأمهات العاملات في البيوت مع الاعتبار الدائم للجنس والعمر".[21] كمالم يهمل العمال أيضا لتتاح لهم الفرصة لإنماء مواهبهم الذاتية وشخصيتهم في العمل الذي يعملون. وأن يعطوا حقهم بالراحة والفراغ...".[22] كذلك المرضى ولهؤلاء أيضا ذكرهم ومكانتهم والدعوة للاهتمام بهم.[23]

    تبعاً لتعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، وعام 1971، ألمح سينودس الأساقفة المجتمع حول مسألة "العدالة في العالم" إلى أن العدالة هي نداء من الإنجيل وهي رسالة الكنيسة الخلاصية وبالتالي دعوة لتحرير الإنسان من كل أنواع الظلم.[24]

    كذلك في سينودس الأساقفة عام 1974 عاد وذكّر بالحقوق المعرّضة للإنتهاك، كالحق على الحياة والغذاء والحرية الدينية والحقوق الإجتماعية والسياسية والثقافية. ثم ركّز الآباء على أن المصالحات بين الشعوب لا تمر إلا من خلال العدالة.[25]

    باختصار يمكننا القول بأن تعليم الكنيسة يربط دوماً الدفاع عن حقوق الإنسان بدعوة الدول والمجتمعات المدنية كافة إلى التطور في هيكليتها السياسية والاجتماعية والإقتصادية والثقافية.         

    أما مواقف البابا يوحنا بولس الثاني، فقد تابع التعليم الاجتماعي عينه لأسلافه. وسارع إلى إصدار رسالة "السنة المئة" أي ماية عام بعد"الشؤون الحديثة" للبابا لاون الثالث عشر.[26] وفي هذه الرسالة يصور البابا واقع التهميش للإنسان وللمجموعات الإتنية والعرقية والأقليات في تركيبة سياسية واقتصادية تتنازعها الماركسية من جهة والرأسمالية من جهة أخرى. وكلاهما يبعدان القيم عن المجتمع...".[27]  لكنه أشار إلى تقدم في احترام الإنسان إذ عبر قائلا :"لا بد من أن نفرح إذا ما ألقينا نظرة ثاقبة على الثلاثين عاماً الماضية ورؤية شرعة حقوق الإنسان تتطوّر باتجاه القيم المسيحية والدينية عامة. لكن لا بد من الإعتراف بوجود ثغرات كبيرة في هذا المجال لجهة التطبيق العملي. من هنا تنبع مبادىء أساسية تعترف بها الكنيسة ولو كانت بطابعها الظاهر مدنية إلا أنها منسجمة مع المبادىء اللاهوتية والكتابية المذكورة أعلاه. فهذه المبادىء الأساسية مستندة على مثلث لا رابع له: الحرية والمساواة والمشاركة. الحرية الشخصية والمساواة القانونية والمشاركة الإجتماعية. هذه المبادىء تنفي التحرّر والإنفلات، والإستغلال، والمجموعية. Liberalisme, fonctionalisme et collectivisme  ووجب تشريعها في القانون الدولي وقانون كل دولة ومؤسساتها.

    من هذه المبادىء تنتج الحقوق الأساسية التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان دون التأثير على كرامته وهي: الحق على الحياة، على الكرامة الشخصية، المساواة الأساسية، حرية التفكير والضمير والمعتقد الديني".[28] ويعتبر البابا يوحنا بولس الثاني أن الحرية الدينية هي أساس سائر الحقوق بينما يعتبر البعض الآخر أن المساواة بين الناس هي أساس الحقوق.[29]

    ويجب ألا ننسى أن عهد هذا البابا ارتبط بمقاومة الشيوعية بهدف حماية الأكثرية المسيحية الصامتة من الأقلية الحاكمة. وقد نجح في مواكبة الحملة العالمية لا بل ساهم في قيادتها لإسقاط الشيوعية.

    وتميز هذا البابا القديس بشمولية واسعة بمعالجة مشاكل إنسانية في كافة أقطار الأرض. فقد كتب لمجلس الرؤساء البوسنيين والهرتسك وسراييفو في 13 نيسان عام 1997: "تظهر البوسنة والهرتسك تعددية ثقافية ودينية وعرقية. فإذا ما حافظنا على تنوعها كأقليّات استطعنا أن نعزّز التضامن والغنى في تراث هذه الشعوب. فلا مجتمع مركّب إلا من أقليات ومجموعها يؤلف قوة في الوحدة".[30]

    كذلك كتب إلى الأوروبيين بأن الكنيسة الكاثوليكية لا يمكن إلا أن تكون خادمة للجميع ولا تتماهى أبدا مع جماعة خاصة أقلية كانت أم أكثرية. بل تستقبل في حضنها كلّ الأمم والأعراق والثقافات وتجمع كل الشعوب في عائلة واحدة.[31] وذلك ردا على عدم ذكر المسيحية على أنها من الجذور التأسيسية لأوروبا وأنها لا تمثّل الأكثرية.

    أما وبخصوص لبنان، وإضافة إلى مواقف البابا يوحنا بولس الثاني المتعددة خلال الحرب اللبنانية لحماية المسيحيين فيه، نتوقف عند ما قاله في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان: "(1997) إذ قال:

    "بودّي أن أشدّد، بالنسبة إلى مسيحيي لبنان على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها. وأدعوهم إلى اعتبار انضوائهم إلى الثقافة العربية التي أسهموا فيها إسهاما كبيرا، موقعا مميزا، لكي يقيموا هم وسائر المسيحيين في البلدان العربية حوارا صادقا وعميقا مع المسلمين".[32] ويشدّد البابا على أن المسيحيين متساويين مع سواهم ولا يأبه للمسألة العددية.

    وبوقوع عام 2000 في حبرية يوحنا بولس الثاني كانت صرخته في سنة اليوبيل حول ضرورة تنغم الدول الكبرى مع مصالح الدول الصغرى. وهنا يكمن مبدأ إعفاء الديون من الكبير للأصغر ومن الأكثرية للأقلية ومن الغني للفقير. وتحدث عن الغفران والعدالة والرحمة مرارا داعيا الأنظمة العالمية لتتبع القيم في نهجها وإلا فإننا نحضّر حروبا لا تنتهي.[33] ولا شك بأن البابا يوحنا بولس الثاني وعلى غرار سائر البابوات رفض ممارسة التسلط بين الدول لا بل رفض تغيير الحدود الجغرافية والتعدي عليها داعيا إلى تساوي الدول بين بعضها.[34]

    أما البابا بندكتوس السادس عشر، فلم يحد عن خط سلفه أبدا. وهذا ما تجلى في رسالة "الله محبة" التي كتبها داعيا الكل إلى عيش هذه القيمة التي تضم العدالة والمساواة بين البشر. ثم كانت زيارته الأولى إلى تركيا حيث دعا إلى التفاعل بين الأديان وإن كان قد دعا تركيا إلى عدم الانضمام إلى أوروبا لاختلاف حضارتيهما. فقد وافق في الزيارة الثانية على هذا الانضمام من باب التفاعل الإيجابي بين الحضارتين والديانتين الإسلامية والمسيحية. لكنه دعا المجتمع التركي إلى أكثر تفاعل واحترام مع الأقليات لديه.[35]

     أما في رسالته "الكنيسة في الشرق الأوسط" فلم يأتِ على ذكر كلمة "أقليات مسيحية". بل تخطى المسألة العددية ليساوي المسيحيين بالمسلمين واليهود على أنهم جميعا أبناء الشرق ومؤلفون لحضاراته المتنوعة. وقال:

    "يتقاسم المسيحيون مع المسلمين الحياة اليومية ذاتها، في الشرق الأوسط حيث وجودهم ليس حديثا ولا عرضيا

    بل تاريخي وجزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط. المسيحيون كوّنوا عبر العصور نمط علاقة مع محيطهم يمكن اعتماده بمثابة أمثولة. لقد تفاعلوا مع تديّن المسلمين واستمروا وفق وسائلهم وقدر المستطاع في العيش والعمل على تعزيز قيم الإنجيل في ثقافة بيئتهم. فنتج عن ذلك تكافل مميز...".[36]

    وقال أيضا: "من واجب الكاثوليك وحقهم ومعظمهم من سكان البلاد الأصليين، المشاركة التامة في الحياة العامة عاملين على بناء وطنهم. ينبغي أن يتمتعوا بمواطنة كاملة، ولا يعاملوا كمواطنين أو مؤمنين من درجة ثانية. وكما كانوا في الماضي من روّاد النهضة العربية وجزءأ لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية والثقافية والعلمية لمختلف حضارات المنطقة، ها هم اليوم أيضا وعلى الدوام، يرغبون في مقاسمة خبراتهم مع المسلمين، مقدّمين إسهامهم المميز...".[37]

    وتابع: "الحرية الدينية قمة كل الحريات. إنها حق مقدس وغير قابل للتصرف. وهي تشمل في الوقت عينه، وعلى الصعيدين الفردي والجماعي، حرية اتباع الضمير في الأمور الدينية، وحرية العبادة... دون تعريض الحياة للخطر".[38]

    ويتحدث أيضا عن المهاجرين من الشرق وخاصة المسيحيين منهم فيقول : "هؤلاء معرّضون للاستغلال بلا رحمة ولا قدرة لهم للدفاع عن أنفسهم، عقود عملهم منقوصة التحديد أو الشرعية، هؤلاء الأشخاص هم أحيانا ضحيّة خرق القوانين المحلية والاتفاقات الدولية. هكذا يبقون أقليّة مهمّشة في وطنهم وفي المهجر على السواء".[39]

    ونصل إلى عهد البابا فرنسيس. فإلى جانب الشق النظري الذي يتابع فيه البابا فرنسيس فكر أسلافه، تميز بدينامية عملية تجاه الأقليات. لا بل يعتبر أكثر الباباوات استعمالا لتعبير "الأقليات". ففي خطاب أمام الكونغرس الأميركي، دعا البابا إلى التيقظ من أشكال الأصولية وعلى أن مكافحة التطرف يجب أن لا تتم على حساب الحريات الفردية. وألمح إلى  الأقليات في الشرق الأوسط التي تدفع ثمن مكافحة الإرهاب بطرق غير مدروسة مسيحية أو غير مسيحية.

    من جانب آخر أعلن البابا في خطابه التاريخي هذا،[40] أن حلم مارتن لوثر كينغ بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية للسود الأميريكيين لا يزال مصدر إلهام لنا جميعا.[41]

    كذلك ألقى البابا فرنسيس خطابا في الأمم المتحدة داعيا الأمم إلى إنهاء مأساة المسيحيين والأقليات الدينية في العراق والشرق الأوسط. كما أرسل الكاردينال فرناندو فيلوني لإظهار التضامن مع ضحايا الهجمات التي يشنها داعش في العراق.[42] والتقى رئيس وزراء العراق حيدر العبادي ودعا إلى حماية المسيحيين والأقليات الأخرى.[43] ووزّع البابا مساعدات مالية على عائلات مسيحية في سوريا وكذلك 5000 إنجيل بواسطة المطران فينشنسو باغيلا.[44]

    وتبعا لما قام به البابا بندكتوس السادس عشر، زار البابا فرنسيس تركيا وأدان هناك العنف ضد الإقليات المسيحية وضد المسلمين.[45]

    وفي زيارته لأفريقيا الوسطى قال البابا فرنسيس ردا على سؤال حول الهجمات الإرهابية التي نفذها أصوليون من جماعات إسلامية: "إن الأصولية موجودة في كافة الأديان وإن الحوار مع الإسلام ممكن. فلديهم الكثير من القيم البناءة كالصلاة والصوم. وأن الأقلية المسيحية يمكن أن تعيش بسلام في مجتمع أكثره إسلامي مثل الأقلية الإسلامية بإمكانها أن تعيش في مجتمع أكثره مسيحي دالا على تعايش الأقليات في الغرب والشرق" لكن من دون الأصوليات.

    وتابع : "آمل أن تعطي الانتخابات الوطنية في أفريقيا الوسطى مسؤولين قادرين على توحيد سكان هذه الجمهورية لا ممثلين عن بعض فصائل المجتمع. وثمّن البابا الجهود لجعل هذا البلد بيتا مضيافا لجميع أبنائه بدون تمييز عرقي وسياسي وديني".[46] وهنا يشير أيضا إلى ضرورة التنبه للأصوليات المتعدية على الأقليات لاسيما المسيحية في القارة الأفريقية.

    أما موقف البابا فرنسيس من الفقراء، فيقول عنهم "إنهم الأكثرية وسط الأقلية". وهنا يقلب المقاييس بدعوة الأقليات الاهتمام بالأكثرية. "إخوتي الفقراء" كما يسميهم. هؤلاء يشكلون مجتمعاتنا. وفي 25/11/2015 زار كينيا وسموه هناك "بابا الفقراء". وذلك لتواضعه ودعوته عدم التمييز العنصري وعدم الفساد. وقال في زيارته: "إن الحق الأكبر للإنسان هو حقه في الحياة. وله الحق في الحرية لاسيما لدى الأقليات والفقراء".[47]

    2- مسائل جدلية:

    لم يَقم البابوات ولا التعليم الكنسي بالدفاع عن حقوق أقليات تبعد مطالبها عن القيم والحق الطبيعي والإلهي كالمثليين جنسيا مثلا. هؤلاء نالوا حقوقهم كأقليات وانخرطوا في الوظائف العامة ونالوا تشريع زواجهم وحقهم بالأبوة أو الأمومة دونما تمييز بين الجنسين وما يسميه المصطلح الجندر. ويشكلون لوبييات ضاغطة لنيل حقوقهم بالمساواة مع سائر الناس. ويعتبر بعض المراقبين أن هناك تباينا في موقف البابا فرنسيس بالنسبة لمواقف سائر البابوات من المثليين. إلا أن الباحث بدقة في مواقف البابا فرنسيس يرى أنه لم يبدل ساكنا في موقف الكنيسة تجاه المثليين. لكنه قال "من أنا لأدينهم". وهذا لا يعني أنه يرى في سلوكهم أمرا طبيعيا.[48] ومفاد الأمر أن الكتب المقدسة كلها تعتبر سلوك المثليين غير طبيعي ويشوه الأديان لأن مشيئة الخالق أرادت أن تخلق الرجل والمرأة ليتكاملا.

    في سياق آخر لكنه يكمل السياق السابق، فقد اعتبرت الأمم المتحدة في إحدى تقاريرها أن تعرض الكهنة الكاثوليك للأطفال هو انتهاك لحقوقهم ولشرعة حقوق الطفل. ولا شك إنها المرة الأولى في تاريخ الكنيسة حيث يصطاد المجتمع المدني المجتمع الكنسي ويعتبره متعديا. هذه الظاهرة قلبت مقاييسا تقليدية اعتاد العالم عليها.[49] ولم تكن أجوبة الكنيسة الكاثوليكية مقنعة في بدء الحملة عليها إلا أنها عادت وصحّحت مسارها مع البابا بندكتوس السادس عشر الذي أطلق مبدأ "اللا مسامحة" "Zero tolerance" لكل من يتعدى على القاصرين.

    خاتمة:

     أخيرا يجدر بنا القول إن الأقليات متنوعة. لكن القيمة الأدبية تسبق التسمية والمنهجية هي تطبيق هذه القيم على هذا أو ذاك من الشعوب لا اعتبار هذا أو ذاك أقلية بحد ذاتهم. ورأينا اهتمامات البابوات كلهم تصب في خانة واحدة وتعليم متناسق لا حياد عنه: المساواة بين جميع البشر لأنهم أبناء الله. هذه قيمة بحد ذاتها. وقد طالت الكنيسة بدفاعها كل الشرائح العمرية والرجل والمرأة والمريض وذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات الدينية والعرقية وسواها. لكنها لم تدافع عن أقليات لا تطبق القيم. هذا وقد يقترف بعض رجال الكنيسة أخطاءً بحق الإنسان كفرد أو بحق مجموعة، لكن الكنيسة تسارع إلى الاعتراف بالخطإ ومداواته ولو كلّفها ذلك غاليا.

     

    مراجع:

    1.  : “Quand les minorities font la loi”, Puf,2002 .Andree lajoie
    2. غريغوار حداد: "البابا ولبنان: السينودس- الزيارة- الإرشاد، تأملات إنجيلية"، الربوة – لبنان، 1998.
    3. ـJohn Stott, “Le Chrétien et les defis de la vie moderne”, volume 1, Alliance, Tournai 1987.
    • Jean Paul II, “Dix reperes pour l’an 2000”, Desclee de Brouwer, Lattes, 1994
    • Aura Miguel, “Le secret de Jean-Paul II: Le texte integral et le sens du troisieme secret de Fatima”, MAMAE_PLON, Paris 2000.
    • Abdo Yacoub, “Les Papes Paul VI, Jean-Paul I, Jean-Paul II et le Liban”, Publication de la commission episcopale pour les communications sociales, Liban, 1986.
    •  


    [1] .Joblin Joseph, “L'Eglise et le developpement des droits de l'homme”, in Islamo Christiana, n. 9, (1983) Roma, p. 30 ss.

    [2] Cf. Robert Folz, La naissance du Saint-Empire, col, Marabout, Albin Michel 1976, p. 15              

    [3] Ibidem

    [4] Cf. Enchiridion Vaticanum n. 1,

    [5] Ibidem

    [6] البابا لاون الثالث عشر، تعليم الكنيسة الاجتماعي، "الشؤون الحديثة" 1891، منشورات عدالة ومحبة، 2002، رقم 1.

    [7] Ibidem

    [8] البابا بيوس الحادي عشر، تعليم الكنيسة الاجتماعي: "أربعون سنة"، 1931، منشورات حركة عدالة ومحبة 1996، رقم 2.

    [9] Enchiridion Vaticanum n. 5.

    [10] Enchiridion Vaticanum n. 6

    [11] Joseph Hajjar, “L’Europpe et les destinees du Proche-Orient”, T. 1, Tlass, p. 196.

    [12] Enchiridion Vaticanum n. 6

    [13] Enchiridion n.

    [14] Ibidem

    [15]

    إن أساس تعليم الكنيسة في مادة حقوق الإنسان يرتكز على المعطيات الطبيعية والحق الطبيعي ونورد بعض الحقوق الأساسية كون الشخص البشري هو المحور الأساسي في كل المؤسسات الإجتماعية فإن تعليم الكنيسة يميل إلى اعتبار:كل الناس متساوين بالكرامة والطبيعة والشرف فلا تمييز بين جنس وآخر وعرق وآخر ودين وآخر. وأن للجميع ذات الحقوق والواجبات الأساسية. وأن حقوق الإنسان هي مصانة وشاملة. ثم كل إنسان له الحق على الوجود والغذاء والمستوى اللائق بالعيش والمسكن والأمان الإجتماعي. بعدها إن كلّ له حق على الصيت الحسن والإحترام لشخصه على العيش بسلام وعلى حياة خاصة مكرّمة. وكلّ له حق التعبير عن فكره وعلى التعلّم. وكلّ له الحق بعبادة الله بحسب ما يمليه عليه ضميره وأن يبشّر بالدين علناً أو بشكل خاص. وكلّ له الحق أيضا على التمتّع بحماية المؤسسات القانونية والدفاع عن النفس في الحقل القضائي.

    ومن ناحية الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية:كلّ له الحق بالإنتماء إلى مؤسسات إنسانية تساهم في تطويره. وكلّ له الحق على المواطنية والهجرة من بلد إلى آخر. وعلى الدول إستقبال اللاجئين باحترام. وكلّ له الحق أن يكون في عائلة وله أهل وله الحق على التربية. والمساواة بين المرأة والرجل في العمل والإنتاج وكلّ أطر المجتمع. كذلك وجوب الإهتمام باليتيم والأرملة والمرضى. والحق على العمل والمهنة والتطور الإقتصادي. والحق على الإضراب في حقل العمل للدفاع عن الحقوق الضائعة. والحق على التملّك لتأمين المسكن والمكان للراحة والعيش بكرامة. كما والحق على توزيع عادل للثروات الطبيعيةز وأخيرا الحق على الهوية.

     

    [16] Enchiridion n.

    [17] Pape Jean Paul II, Les grands texts du pontificat, Edition Jubile, 2005, p. 400.

    [18] بعض التحفظات من الكنيسة على شرعة حقوق الإنسان:

    وردت هذه التحفظات في رسالة "السلام على الأرض" 1963 للبابا بولس السادس. وتتلخّص بأن يتمنى قداسته اتخاذ التدابير اللازمة من قبل الأمم المتحدة لتكون الشرعة مطبقة على الأفراد كما على الجماعات. فالصعوبة تكمن في التنفيذ المفصل على كل فرد من الشعوب.

    ثم الملاحظة الثانية متعلّقة بالمقدرة على التنفيذ وعدم الإكتفاء بالعمل النظري التشريعي. فيدعو البابا بولس السادس الدول لإعطاء القوة التنفيذية للأمم المتحدة لتفعيل مقرراتها. (راجع خطاب البابا بولس السادس أمام قضاة الروتا، 1965).

    [19]"المجمع الفاتيكاني الثاني: دساتير وقرارات وبيانات، منشورات المكتبة البوليسية، جونيه، 1992، "فرح ورجاء" و "كنيسة في عالم اليوم".

    [20] Ibidem

    [21] Ibidem

    [22] Ibidem

    [23] Ibidem

    [24] Enchiridion n.

    [25] Ibidem

    [26] يوحنا بولس الثاني : "السنة المئة"، 1991، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جل الديب – لبنان.

    [27] Ibidem p.p. 37-42.

    [28] Ibidem. P. 13.

    [29] Jean Paul II, Les grands texts du pontificat de Jean Paul II, Edition Jubile , 2005, p. 387.

    [29]      Les grands textes du pontificat de Jean Paul II, “ Jean Paul” II, edition Jubile, 2005, p. 428.

     

     

    [30] Ibidem p. 424.

    [31]      Les grands textes du pontificat de Jean Paul II, “ Jean Paul” II, edition Jubile, 2005, p. 428.

     

    [32]  يوحنا بولس الثاني، "رجاء جديد للبنان"، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جل الديب – لبنان، صفحة 150، رقم 93.

    [33] Jean Paul II, Les grands texts du pontificat de Jean Paul II, op. cit. p. 395.

    [34] Ibidem

    [35] Osservatore romano

    [36] (بندكتوس السادس عشر: إرشاد رسولي : "الكنيسة في الشرق الأوسط"، حاضرة الفاتيكان 2012 رقم 24.)

     

    [37] Ibidem n. 25.

    [38] Ibidem n. 26.

    [39] Ibidem n. 34.

    [40]

    خلال الخطاب تخطت فتاة (5 أعوام) مكسيكية اميركية تخطت الأمن  لتسلمه رسالة تنم عن الرغبة في تسوية أوضاع المهجرين غير الشرعيين في أميركا. وفيها تظهر لاعدالة في النظام تجاه هؤلاء وإصلاحا لحقوقهم كونهم أقليات مهمشة يبنون أميركا بسواعدهم ولا حقوق لهم.

    [41] Osservatore romano, 24 / 9/ 2015

    [42] Osservatore romano, 15/3/2016

    [43] جع Osservatore romano, 21/2/2016.

     

    [44] Osservatore romano, 30, novembre, 2015

    [45] Osservatore romano,  28/11/2014

    [46] Osservatore romano, 1/decembre/2015

    [47] Osservatore romano 25/11/2015

    [48] Cf. Cardinal Gerard Muller Ludwick, in Osservatore Romano, 30/7/2013.

    [49] جزيرة-نت في 14 /2/2014

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME