راعي الأبرشية / محاضرات

  • 20 Oct 2018

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في ندوة "ميتانويا" حول اللاعنف في مواجهة العنف

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في ندوة "ميتانويا" حول اللاعنف في مواجهة العنف

     مغدوشة في 20/10/ 2018

     

    أًود أن أرحب بكم في هذه الندوة الأولى من نوعها في نشاط مركزنا "ميتانويا" للإصغاء والمرافقة في قاعة جورج يونان. ولدت "ميتانويا"، أي مسيرة اكتشاف الذات، منذ ثلاث سنوات بعد أن شعرنا بالحاجة إلى وجوب الدخول بعمق كل إنسان يسألنا نصيحة أو إرشاداً أو حلاً. فكان لقائي بأصدقاء ألّفنا وإياهم فريق عمل السيد جوزف خوري المتخصص لهذا الغرض والسيدة باتريسيا برشا باسيل المرشدة النفسية ومعنا اليوم الأب توفيق حوراني نائبنا العام.
    من نشاطاتنا، إلى جانب الإصغاء والإرشاد، إعداد ندوات كانت هذه باكورتها. إخترنا موضوع اللاعنف لأننا بتنا على يقين من أن العنف مستشر في مجتمعاتنا لاسيما مجتمعنا اللبناني، حيث القوي يأكل الضعيف والغني الفقير والكبير الصغير.  وقد تعاونا سابقاً مع جمعية الشابات المسيحيات لنشر فلسفة اللاعنف. واليوم مع فريق أديان لتحقيق هذا الغرض شاكرين الأب فادي ضو ومساعديه متمنين أن يبقَ هذا التعاون طويلاً. كما أشكر صاحبي السماحة المفتي سليم سوسان والمفتي محمد عسيران لمشاركتهما في افتتاح الندوة. كذلك شكري للمحاضرين الشيخ محمد أبو زيد والسيدة إلهام كلاب وشكري العميق للأستاذ غسان حجار مدير هذه الحلقة الذي شرفنا بحضوره وإطلالته الإعلامية المتألقة ولصداقته المخلصة للأبرشية والكنيسة. شكري أيضاً لجميع المحاضرين مع حفظ الألقاب والمقامات.
    هناك أوجه عديدة لعملة واحدة إسمها العنف. لكن هناك وجه واحد لا ثاني له للاعنف إسمه المحبة. والجدير بالأمر أن العنف واللاعنف يسكنان في داخل كل واحد منا يتصارعان طويلا حتى تحسم إرادتنا المعركة. فنكون إما معنِفين أو مسالمين.

    قد يمارس أحدنا العنف فيكون ممارسة شخصية. وقد يكون مجتمع برمته يمارس العنف ضد الأفراد والجماعات. وهذه ممارسة جماعية. وهذا يعكس ذهنية متجذرة أو مكتسبة حديثاً في شعوب ما. يقول دوركييم عالم الاجتماع: "يتسرى العنف من الفرد إلى المجتمع أحيانا قليلة، لكن بالأكثر يبدأ في نهج الأنظمة ويتفشى في سلوك الأفراد. فالمعنِّف الأساس هي السلطة غير العادلة".

    ويضيف دوركييم: "أما اللاعنف فيسلك طريقاً عكسياً، يبدأ من الأفراد، ليشكل حالة تراكمية تغير الأنظمة تدريجاً".

    أليست هذه حالة السيد المسيح وغاندي ومانديلا وكثر سواهم.

    في نظرة ثاقبة على واقعنا اللبناني، أرجو ألا نتخاصم على أن واقعنا معنَف. وقد نتج عن ذلك فساد لشعور الأفراد بالغبن. وأصبحنا نتأرجح بين معنَفين ومعنِفين محاولين الدفاع عن ذواتنا وحماية حقوقنا. وكلنا نعلم أننا في لائحة متقدمة من  الدول الفاسدة. 

    يتنوّع هذا الفساد من إداري إلى مالي إلى أخلاقي إلى سياسي وسوى ذلك. ومردّ كل هذه الأنواع إلى فلسفة قديمة متجددة "القوي يأكل الضعيف".
    لا رقابة تمنع فلسفة العنف. وهنا يكمن استشراء الفوضى العنفية في المجتمع. فالدولة معنَّفة ومعنَّفة بغيابها والمواطن معنَّف ومعنِّف بحسب انتمائه أو حمايته من فريق أو آخر. والحبل على الجرار. سلسلة من عنف وممارسة اللاعنف ما عادت تنفع.
    يقول المطران سليم غزال رحمه الله: "هذا الواقع الطائفي هو دوماً عنفي ويخلق فوضى كبيرة وهو من المناهج الأكثر انحداراً في العالم وهو ساري المفعول على أرضنا فهلا خجلنا".
    من أشكال وفنون العنف هي الزعامة. وقد درجت العادة أن يطلق الزعيم شعاراً يخدع به الموالين بأنه حقيقة وجودية. فيعبئ شارعه بحشد معين أكثري أو وسطي أو تحالفي وغالباً ما يكون طائفياً، ويصبح مرجعية في تحديد سياسة الوطن. وهكذا تصبح سياسة الوطن ممسوكة من عدّة زعماء وعدة شعارات وعدة طوائف خادعة للحقيقة الدينية والاجتماعية معاً. كل ذلك مبني على شعور الغبن لدى الفرد وطلب الحماية ولو بطرق ملتوية.
    أما اللاعنف فهو ليس شعاراً وليس زعيماً ولا طائفة ولا توظيفاً. إنه الشأن العام والدولة هي إحدى مظاهر إدارة الشأن العام هذا.
    من التحديات الكبرى في مجتمعات اليوم هو هذا التخابط بين الدولة بمفهومها التقليدي والزمرة المخبأة وراء الدول وتحركها وتتحكم بمصير الشعوب. يقول البابا بندكتوس ١٦ " لم نعد نعرف الحاكم في الدول اليوم وبالطبع ليس رؤساء الدول هم حكامها". ويشير البابا إلى الوضع المافيوي في إيطاليا وما يشبهه في الدول الأخرى كبيرة كانت أم صغيرة. ويقول إن الأنظمة الطائفية أو الدينية لم تؤد مع الأسف غرض العدالة الاجتماعية لأنها تصارعت حول أفكار دينية لا يمكن أن يطبقها الجميع وعكست إساءة للأديان.

    في المنطقة دوي كبير يتصارع بين العنف واللاعنف. ومدرسة العنف قد غلبت بالطبع. وتتميز بهذا التفوق العنفي في تلاقي المصالح المعنِّفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ألخ. ويبحث الإنسان عن خلفية هذا الصراع. فقال البعض بأنه في الأصل اقتصادي والبعض الآخر إنه صراع على السلطة وآخرون قالوا إنه صراع الإيديولوجيات الدينية والفلسفية. وفي الواقع إنه الثلاثة معاً بحيث يغلب أحد الوجوه في إطار معين بينما يغلب آخر في إطار آخر.

    تتلخص تعاليم الكنيسة الكاثوليكية حول اللاعنف بالتربية على السلام وعلى قبول واحترام الآخر وعدم اقتناص الأديان. فالتربية هي مرادف للاعنف. فهل وجدناها سليمة في وطننا؟ هناك مخاوف كثيرة في عائلاتنا إذ لم نعد نجرؤ على التربية على السلام بل على الحذر وتدريجاً على العدائية. سأل طلاب البروفيه أستاذ التربية المدنية في فصل "الشأن العام" وتقديمه على الشأن الخاص: "هل يمكن تطبيق هذا الفصل في لبنان؟" وكان الجواب "مع الأسف لا طبعاً. وأردف الطالب ولماذا تعلمونا ما لا يمكن عيشه؟" فرد الأستاذ: "ربما تغيرت الظروف وعاد لبنان إلى وعيه. فالآن إننا فاقدون الوعي في لبنان".

    التربية وسيلة اللاعنف الأساسية. هذا ما قاله البابا بولس السادس منذ خمسين عاماً في تأسيسه اليوم العالمي للاعنف، وما أكده سائر البابوات. ويقول البابا فرنسيس "إن أشكال اللاعنف في حياتنا لا تعد ولا تحصى. لذا فالمطلوب أن يكون اللاعنف منهج حياتنا الدائم  فنصوّب العنف في أي إطار وقع".

    من أدوية العنف ممارسة اللاعنف. يسمى اللاعنف في المسيحية محبة. وقد تفرّد الإنجيل بالحديث عنها. وتألّق بولس الرسول بوصف المحبة في رسالة كورنثوس وإذا بها مطابقة لصفات السيد المسيح وتتماهى معه. وأترك تفصيل الأمور للمحاضرين في الحلقة الثانية ولصاحبي السماحة في مقدمة هذه الندوة شاكراً الجميع لحضورهم ومشاركتهم.

    خاتمة:

    إنكم من اليوم وصاعداً أصدقاء المطرانية ولكن أصدقاء "ميتانويا" أيضاً وبكم نفتخر. ندعوكم وتدعونا لنبني معاً حضارة اللاعنف واحترام الإنسان كلُّ في موقعه. ونرحب خاصة بالمراكز المشابهة للوساطة في النبطية وصيدا وبيروت فأهلاً وسهلاً بكم في بيتكم.

    لن تكون هذه الندوة يتيمة حول اللاعنف. بل ستشكل منهجية مركزنا وكل من يمد يده إلينا. هذا ما أكده محاضرونا الكرام في كلماتهم.

    نقترح تأليف لجنة مشتركة للراغبين لنصل إلى المبتغى.

    أشكر مجدداً المحاضرين واللجنة المعدة للاحتفال وأخص السيدة أمل حليس وإدوار الناشف ووقف مغدوشة ومديري المزار. وأشكر الإعلام والإعلاميين.

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME