راعي الأبرشية / عظات

  • 16 Oct 2015

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في ذكرى عاشورء 2015


    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في ذكرى عاشوراء

    المصيلح في 16/10/2015

     

    أود شكر صاحب الدار دولة الرئيس نبيه بري أولاً على الدعوة الكريمة لأكون من بين المتكلّمين في هذه الذكرى الجلل. ثم يشرّفني أن أتوجّه بهذه الكلمات العاشورائية إلى مسامعكم أعزاء وأصدقاء.

    في كل مرة أحضر مجلس عاشوراء تدهشني دموع الجالسين وتؤثّر فيَّ أشدّ ألأثر، تماماً كما أتأثّر في رؤية المسيحيين يبكون آلام السيد المسيح. والمدهش في اللوحتين هي دموع الإيمان. هذا يبدأ بالقلب، بالدموع وبالحب. ولكن لا يكتمل بالقلب بل بعملية عقلانية. هذا ما جاء في الإرشاد الرسولي الأخير للبابا بندكتوس لدى زيارته إلى لبنان ملمّحاً إلى رسالة سلفه يوحنا بولس الثاني السابقة حول الإيمان والعقل. مؤكداً أن أحداث الإيمان تحتاج إلى كمية من العاطفة لتلهب فينا الحب لله لكنها ما تلبث أن تلجأ إلى العقل لتتثبت.

     عاشوراء حدث مؤسس لتحريك الإنسان قلباً بجرح الحسين وعقلاً بقيم الحسين. فابحثوا عن القيمة المضافة الثابتة أبداً ومهما تقلّبت الظروف فهي ثابتة في عاشوراء قبل البكاء وفيه وبعده.

    تطل عاشوراء من جديد هذا العام، فبدل أن نخطو إلى الأمام وما زلنا نراوح مكاننا لا بل نحن في سبات عميق لا نحرك ساكنا في مسار التطور وعيش القيم.

    ما زلنا نتلهى بقشور الطائفية وقبلها بالحرب وبعدها بالفساد. الحرب تجر الحرب والفساد الفساد والطائفية الهباء. لم يكن يوما تاريخنا فارغا من معاني الطموح والبنيان كما هو اليوم. مرّت على لبنان أيام حضارة وبنت اللبنانيين. وتمر اليوم أيام جهل فماذا ينتظر اللبنانيون. أخشى على وطني ومستقبل مواطنيّ.

    عاشوراء حدث إذا سمحتم لي أنا المسيحي أقول إنه لم ينل حقه. فأين الله في كربلاء؟ أين إلهنا في معركة المظلومين وفي البحث عن القيمة المضافة؟

    جاء في تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني (كنيسة في عالم اليوم رقم 37) ما يلي: "

    تعلّم الأسرة البشرية أن التقدم الإنساني الذي هو خير عظيم للإنسان يحمل تجربة عظيمة. فعندما يضطرب نظام القيم ويختلط الخير بالشر، يحصر الأفراد والجماعات همهم في مالهم دون ما لغيرهم. وهكذا فالعالم لا يزال بعيدا عن أن يكون موطنا لأخوّة حقيقية ما دام في ازدياد السلطان  البشري ما يهدد بالقضاء على الجنس البشري نفسه.

    ولئن نال الأشخاص البشريون الشيء الكثير من هذه الحياة الاجتماعية في سبيل القيام بدعوتهم، حتى في حقل الدين، فلا يمكن مع ذلك إنكار هذا الأمر وهو أن البشر يتحولون غالبا عن صنع الخير ويندفعون في طريق الشر، وذلك بسبب الأحوال الاجتماعية التي يعيشون فيها وتغمرهم منذ حداثتهم. نعم إن الاضطرابات التي كثيراً ما تعتور النظام الاجتماعي تصدر في قسم منها عن التوتر في الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بل هي متجذرة في كبرياء البشر وأنانيتهم اللتين تفسدان الجو الاجتماعي. وهذا كله يبعد النفس عن الله".

    أرى في عاشوراء إصلاحاً لهذا الإنحراف البشري. إنسان رأى الظلم آتياً فتحلّى بشجاعة لا مثيل لها وأقدم على رفع الظلم. من مزايا الحسين أنه لم يخف من نتيجة إقدامه وهو أمام مشهد الموت المؤكد. بطل في كتابة صفحة من التاريخ. الحسين رأى الله في كربلاء قبل استشهاده ولولا أنه ما رأى الله لما استشهد. أين الله في كربلاء ؟ إنه في عقل الحسين وقلب الحسين.

    القيمة التي خطتها دماء هذا الشهيد البطل إنما هي الاتكال على الله للدفاع عن الإنسان حتى ولو كلّفه الدفاع النفس برمتها. الله سبحانه يرى التقدمة بعين الأب الدامعة ليس على موت الحسين ورفاقه بل على موت القيم عند القاتلين. هناك الله في كربلاء لكنه ما بعد كربلاء. الله ساكن يا إخوة في معارك البشر عندما يكتب البشر قيما خطها الله بدم البشر حينا وبدمه الخاص حينا آخر. لكم حسينكم ولنا مسيحنا وكلاهما للجميع مدافعين عن الإنسان وكرامته. وهكذا فالحسين لنا ولكم والمسيح لكم ولنا ضحيتين على مذبح المحبة التي لا تعرف الأنانية بل الكرم والانفتاح. أين الله في كربلاء؟ إنه في المحبة اللامتناهية للإخوة البشر.

    يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس: "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولم تكن في المحبة فأنا كنحاس يطن أو صنج يرنّ. وإن كانت لي النبوة وأعلم جميع الأسرار وكل علم وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال  ولكن ليس لي محبة فلست بشيء. وإن أطعمت كل مالي وإن سلمت كل جسدي ليحرق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئا. المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تطلب ما لنفسها وتحتمل كل شيء ولا تسقط أبدا".

    ألا ينطبق هذا النص المسيحي على الحسين الشيعي؟ بالطبع ينطبق. لذا فالمسيحي يفهم كربلاء ومدعو لتطبيقها والعيش بقيمها. كما يفهم المسلم تضحية الأنبياء والسيد المسيح ليعيش بقيم الأحداث.

    كم وكم من آية وصفحة وفصول تجمعنا يا أحبة. لم تر عيوننا إلا بشارة العذراء وقد أقمنا لها عيداً مشتركاً. تعالوا نقرأ كتبنا من جديد على ضوء المحبة هذه فنفهم أن دعوتنا واحدة. محبة واحترام بعضنا لبعض.

    الأديان يا أحبة بخدمة الإنسان والمشكلة إذا أصبحت عبئاً عليه. أي إذا أصبح هو في خدمة الدين. المجتمعات تتطور من أجل العيش الكريم للإنسان. ومن عناصر التطور الفرد والمجتمع والدين.

    وأستعير من الفاتيكاني الثاني أيضا ما قوله (كنيسة في عالم اليوم ص 226 رقم 25): "من ميزة الإنسان الاجتماعية يظهر أن هناك ترابطا بين نمو الشخص وتطور المجتمع نفسه. فالشخص الإنساني هو، ويجب أن يكون، مبدأ جميع المؤسسات الاجتماعية وموضوعها وغايتها، لأنه بطبيعته نفسها بحاجة ماسة إلى الحياة الاجتماعية، فهو ينمو بجميع مواهبه ويستطيع أن يستجيب بدعوته وذلك بحسن مخالطته الآخرين، وبتبادل الخدمة وبإقامة الحوار بينه وبين إخوته.

    من الربط الاجتماعية الضرورية لنمو الإنسان وازدهاره ما هو كالعائلة والجماعة السياسية مما يوافق طبيعته الحميمة بطريقة أقرب وأدخل، ومنها ما هو أكثر ارتباطاً بإرادته الحرّة. وفي هذه الأيام ولأسباب مختلفة تزداد العلاقات المتبادلة تعدداً كما يزداد الترابط يوماً بعد يوم.

    يجب أن يمتد الاحترام والمحبة إلى أولئك الذين يخالفوننا تفكيراً وعملاً في أمور الاجتماع والسياسة أو الدين. وبمقدار ما نعمل بإنسانية ومحبة على تفهم نظرياتهم أعمق يصبح الحوار معهم أشد سهولة.

    من ثمار المحبة يأتي الحوار. إنه ثمرة عاشورائية بامتياز. وقد انتظرنا من سيّد هذا البيت ولو طال الانتظار بعض الشيء، مبادرة الحوار. وإذا بها تأتي في الساعة الحرجة لتفتح الطريق أمام اكتشاف ما عبّرت عنه كتبنا السماوية. بالحوار نلتقي وبإقفال الحوار نفترق. فشكراً لك يا أبا المبادرات الطيبة. شكراً لأنك تحاول دوماً أن تنقذ لبنان في الساعة الأخيرة. بدعوتك الحوارية أصبحت مؤتمناً على رئاستين: الجمهورية بغياب الرئيس والبرلمانية وأنت فيها مستحق.

    الدعوة ملحة إلى جميع الإخوة اللبنانيين إلى الانضمام للتحاور. هذه إرادة إلهية لا بشرية فحسب. الدعوة ملحة لانتخاب رئيس للجمهورية واستعادة مؤسسات الدولة.

    وللإخوة في الحراك المدني أقول أنا معكم إذا ثبتت لديكم القيم. أود لو أقرأ في كتابكم. أين هو الكتاب أين الفلسفة المدنية لنقرأها. لا تمر الإنقلابات في الشارع بل في الفكر. أكتبوا لنتعلّم. العنف في وسط بيروت نفّرنا فعودوا إلى الهدوء، إلى الفكر لتربحوا المعركة. وكلنا رجال دين ودنيا إلى جانبكم لأن شعاراتكم تدخل القلوب والعقول. يبقى أن تعبّدوا الطريق شكلاً ومضموناً لنفهم صراخكم. علّ هذا الصراخ ينضم إلى صراخ الكثيرين وبخاصة المتدينين فنحن وإياكم في خندق واحد وإياكم أن تسرقوا الخندق وتستأثروا به. فالروائح تخرج ليس من النفايات بل من الأنانيات.

    بلدنا يا أحبة يرزح تحت وطأة الأنانيات. "أنا أو لا أحد". "طائفتي في خدمتي" "لبنان ثانياً وثالثاً وربما الأخير في الحلقة". هذه الآفات أدت بنا إلى الرزوح تحت براميل نفاياتنا. لم أكن أتصور يوماً أن تكون النفايات هي القضية الأهم في وطني. إنها أبرز من كل القضايا وأصعبها. تعالوا ننقب في النفايات فنرى المرآة التي تعكس الأنا التي فينا. أما الشأن العام والسياسات الخارجية والأمن القومي وحماية الحدود والنمو الاقتصادي وسواها أصبحت كلها أموراً ثانوية عند مسألة بالغة الأهمية إسمها النفايات. منذ أكثر من سنة كنت في نابولي –إيطاليا، وكانت لديهم أزمة نفايات مثل أزمتنا. لم يكن الصراع صراع نفايات بل أنانيات. فهبّ الاتحاد الأوروبي برمته مهدداً إيطاليا بحل هذه المشكلة التي ما إن سمعت التهديد سارعت إلى فكفكة العقد. أسأل من يأتي لنجدتنا نحن في لبنان. فحتى مسألة النفايات تتطلب توافقاً إقليمياً لا بل دولياً.

    أين الله في لبنان. إنه في عاشوراء وفي قلب كل لبناني يحب وطنه ومواطنيه. فيا الله أشفق علينا وارحمنا وامنحنا عقولاً تنتخب رئيساً للجمهورية ورجالاً يتوافقون على الشأن العام قبل الخاص. أعد المؤسسات إلى الوطن وأنجح مبادرة دولة الرئيس نبيه بري الحوارية لأنها مدخل وحيد لخلاصنا. أعد المخطوفين إلى ذويهم، واحم حدودنا من الأصوليين وشوارعنا من النفايات.

     ألا أدام الله صاحب هذه الدار وأدامكم مشتعلين بالإيمان والمحبة في ذكرى عاشوراء المباركة. وشكراً.

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME