راعي الأبرشية / عظات

  • 23 Jan 2016

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في صلاة اسبوع الوحدة


    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في صلاة أسبوع الوحدة

    دار العناية في 23/1/2016

     

    أجمل ما نلتقي حوله في أسبوع الوحدة هي الصلاة. وأفضل صلاة هي التي تشعرنا بتوبة القلب ويليها للتو المحبة.

    نتوب عن خطايانا. خطايا الجماعة وخطايانا الفردية. وإذا كان الانقسام الكنسي أتى من نتاج الخطيئة الجماعية مرة لكنه تكرر من نتاج خطايانا الشخصية مرات.

    الخطيئة الفردية، هي التي نقترفها عندما نبتعد فيها عن محبة الآخرين أكانوا من كنيستنا أم من ديننا أم من ديانة أوكنيسة أخرى.

    الخطيئة الجماعية هي نتيجة الكبرياء في استعمال السلطة وتنعكس سلباً على الجماعة كلها. لقد أخطأ آباؤنا عندما أعلنوا الإنفصال وكان الإعلان عنيفاً حتى التراشق بالحرم. لكنهم اكتشفوا مع الزمن أن المحبة أقوى من العنف. والسلام أنفع من الحرب. والاتحاد أجدى من الانفصال. فطلبوا المغفرة بتواضع ورفعوا الحرم بجرأة ونالوا نعمة المصالحة.

    هذا المشهد من التاريخ عاشه أقطاب الكنيسة الغربية والشرقية معاً. وما نحن بصدده هذا الأسبوع هو وقفة مع التاريخ وعهد للمستقبل. ألا نكرر ما حدث وأن نتقدم أبعد من فك الحرمات، إلى الشركة.

    أتطلع معكم إلى الحوار المسكوني الذي اتخذ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أي بعد الفاتيكاني الثاني، توجها جديدا ألا وهو الشركة الكنسية أكثر من الحديث عن الوحدة الكنسية. أن نطلب الوحدة يعني أن نطلب إلغاء التنوع الغني في الجسم الكنسي. فلنطلب الشركة محافظين بذلك على موقع الآخر، كل آخر. الشركة هي بمضمونها تجوز على الجماعات كما على الأفراد. وتطال مرافق حياتنا المتعددة: الشركة في العقيدة، في التقديس، في الإدارة، في البشارة، وخاصة الشركة في المحبة.

    بين الوحدة والشركة أفضّل الشركة. لأن الوحدة منظومة غلبت طبيعتنا البشرية وكل مرة لا نبلغها نشعر بأننا اقترفنا خطيئة. الوحدة هي أيضا هشّة إذا ما بلغناها يوماً قد لا نحافظ عليها طويلاً لا في داخل الكنيسة الواحدة ولا بين الكنائس. مشاكلنا كثيرة ومعقّدة. أما الشركة فهي منسجمة مع طبعنا وطبيعتنا الأرضية.  في أعمال الشركة لا نذوب ببعضنا بل تتقوى العلاقة بين بعضنا. ويا ليتنا نسمي هذا الأسبوع أسبوع الشركة وليس أسبوع الوحدة. وأترك للمعنيين اتخاذ ما يناسب بهذا الشأن.

    بنظرة ثاقبة على عالم اليوم، رأى المجمع الفاتيكاني الثاني في قراره فرح ورجاء، أن العالم ينظر إلى خلافات الكنائس وكأنها ظاهرة تخلّف. فنرى المرجعيات المختلفة تتسابق مع الكنيسة والكنائس لتقريب الناس من بعضهم وحلّ النزاعات. لقد كثرت المبادرات في هذا السياق. منهم من نادى باللاعنف وآخرون بإدارة النزاعات أو بحل النزاع والحوار. واعتبر الكثيرون أن أصل النزاعات في عالمنا المعاصر متأت من فتاوى دينية أو من الغيارى على مصالح الأديان. لذا رفضت مجتمعات عدة كالاتحاد الأوروبي مثلاً ذكر الدين كمرجعية حضارية وتأسيسية لإنسان اليوم حرصاً على السلام بين الناس. يعود هذا برأينا إلى أننا عجزنا عن ضخ القيم اللازمة قولاً وفعلاً وبات العالم يبحث عن البديل. وما اكتشفه العالم حتى الآن لم يتخطى جوهر الكنيسة. إن جوهر الكنيسة المحبة.

    ستكون المفاجأة مدهشة عندما يكتشف العالم بمؤسساته المدنية أن أعظم القيم هي فضيلة المحبة ويطبقونها بحلّة اجتماعية غير كنسية. عندها البكاء وصريف الأسنان. نحن في سباق لاكتشاف المحبة من جديد. وبعض شخصيات من التاريخ تتحدانا قولاً وفعلاً وهي بعيدة عن الكنيسة ومفهومها. أتوقف عند ما قاله غاندي: "إذا أردت مجتمعا سليماً إقبل التنوع وأبعد عنك الرغبة بأن يكون الآخر مطابقا لأفكارك". وتشرشل ذاك المحارب الذي تعب من حروبه قال: "آسف لأني صرفت وقتي في التخطيط للحروب وخوض المعارك. بينما كانت الحاجة إلى بعض أوقات من الحوار". وقال البابا يوحنا بولس الثاني لأهل بوروندي المتقاتلين: "أبطال الحرب والانقسام يذكرهم التاريخ القصير لبعض المرات. بينما رجال السلام فذكرهم يدوم إلى الأبد".

    نحن يا إخوة بأمسّ الحاجة إلى كنيسة سلام لا إلى كنيسة سلطة. والسلطة في الكنيسة هي خدمة: كما حددها القديس أغناطيوس إنها خدمة المحبة.

    لنفلسف أسبوع الوحدة ننتقل من الوحدة في السلطة وتحت السلطة إلى التناغم في المحبة. أحب الإيضاح أكثر من قولنا أسبوع الوحدة فلنقل الأسبوع الذي نبدأ فيه المحبة ونكمل ولا نتوقف.

     لقد أطلق البابا فرنسيس مبادرة عيد الفصح  معاً واقترح الأحد الثاني من نيسان عيداً مشتركاً. لم ينل نداء البابا حظوة عند الكنائس. إنه حوار الوحدة بدأ ولا نعرف متى يثمر. فلا نقل الحق مع البابا والباقون على خطأ. المسألة لا تقارب بهذه الطريقة. فلنشكر الله أن الحوار بدأ بجدية كبيرة حول الموضوع. ولتذليل الصعوبات لا بد من صلواتنا في أسبوع المحبة هذا.

    لن نعيّد معاً هذا العام لكن من يعلم في الأعوام المقبلة ماذا يحدث. عجائب المحبة مفاجئة. فلنصلّي.

     

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME