راعي الأبرشية / عظات

  • 16 Jan 2018

    ندوة عن القدس في مطرانية صيدا


    القدس... أيقونة المحبّة

    حديث للمطران إيلي بشارة الحداد –مطرانية صيدا- 16/1/2018

    مقدّمة

    إسمحوا لي بدايةً أن أوجِّه كلمة شكرٍ وتقدير للإخوة في حزب الله وخاصة للشيخ زيد ضاهر والمنسق الحج حسين سارجي اللذين دعيا لهذه الندوة حول القدس. وتحية كبيرة كذلك وترحيب للشيخ صادق النابلسي إبن هذا البيت وصديقه.

    ننطلق من القدس، لِما لها من أهميّة دينيّة تاريخيّة، تُشكِّل مصدر إلهامٍ روحيٍّ لجميع الديانات الإبراهيميّة الثلاث، وتدخل في معادلة تكوينها الثقافيّ وهويّتها الحضاريّة والتاريخيّة، لذا باستطاعتها أن تكون الجامِع والإطار الذي تنطلق منه القوى العربيّة لرفض هدر الحقوق التاريخيّة للفلسطينيّين في أرضهم ومقدّساتهم، وهذا مطلوب من المسيحيّين والمسلمين على حدٍّ سواء.

     

    1. القدس في الوُجدان المسيحيّ

    في الأساس، تنظر المسيحيّة بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنّها "مدينة الربّ" لأنّها المدينة التي شهدت الأحداث الأكثر أهميّة في حياة السيّد المسيح وقيامته؛ فقد ارتبط اسم القدس في الإنجيل بمحطاتٍ أساسيّة في حياة يسوع المسيح، فقد أخذ والدا يسوع – الطفل إلى الهيكل "ليقدّماه إلى الربّ"، وتحادث الطفل ذو الإثني عشر عامًا مع علماء الدين في الهيكل… وارتبطت هذه المدينة بمحطات آلامه الكبرى ودرب جلجلته، وقيامته. فالمسيحيّة لا ترتبط بمكانٍ أو بلدٍ على وجه الخصوص ولكنّها مبنيّةٌ على أساس وحيٍ تاريخيٍّ وحيث تاريخ الخلاص، فهناك جغرافيا الخلاص: أورشليم مدينة السلام، القدس، نقطة الإلتقاء الجغرافيّ بين الله والإنسان، بين التاريخ والخلود: إنّها حقًّا المدينة الفريدة في هذا الكون. ومن هنا فالعقيدة المسيحية تصور مسار الخلاص بأورشليم السماوية والتي تعبر عن مراحل حياة المسيح على الأرض واستمراريتها في السماء. وكأن أورشليم الأرضية تكمل مسيرتها بأورشليم السماوية.

    كنيسة القيامة هي قلبُ القدس، حيث كشف الله بشكلٍ خاصٍّ جدًّا وجودَه الخلاصيّ كما كشف حبَّه للإنسان. وكما في كلمات البابا بولس السادس "أجمل كنيسةٍ لقلب المسيحيّ." وحدها كنيسة القيامة تجعلُ الأرضَ مقدَّسةً وفيها تتجلّى كلّ معاني الخلاص في الزمان والمكان. إنّها المكان الوحيد في العالم تتجلّى فيه محبّة الله بطريقةٍ أعمق وأوضح، وقد سماها أجدادنا "مركز الكون." أودّ أن أُورِدَ هنا ما جاء على لسان بطريرك القدس صفرونيوس الدمشقيّ في إحدى عِظاته عن القدس، قال:

    هنا، تُعلن القدس كيف عاش الربّ على أرضنا صانعًا المعجزات

    هنا، تُعلن الجلجلة حَملَ المسيح لصليبه

    هنا، تُبشِّر القدس بقيامة المسيح من بين الأموات

    هنا، يُذيع جبل الزيتون صعودَ الربّ إلى السماوات.

    فالقدس، إذن، هي عاصمة المسيحيّة الوحيدة الوجدانيّة، ورائحتها كالأمّ تلمّ وتجمع. فهل يتخيّل المرء مسيحًا من دون فلسطين؟ أو هل يمكن تخيُّل المسيحيّة من دون القدس؟

    تاريخية القدس في النظرة المسيحية:

    سنة 1000 قبل المسيح كانت القدس لليابوسيين ثم استولى عليها داوود الملك وصارت عاصمة لإسرائيل.  لكن القدس كانت قبل داوود. وأخذ سليمان عن داوود وفيها بنى الهيكل. وبعده انقسمت المملكة إلى السامرة في الشمال، وقبيلتي يهوذا وبنيامين في الجنوب وعاصمتها أورشليم. فالقدس لم تكن عاصمة لإسرائيل إلا في عهدي داوود وسليمان. وبقيت كذلك حتى قضى نبوخذنصر البابلي ودمر الهيكل وأورشليم وصار السبي إلى بابل عام 587. ثم تم الاحتلال الفارسي وثم الروماني. وعام 70 بعد المسيح أصبحت مسيحية على يد القائد الروماني فلافيانوس. من سنة 70 حتى صلاح الدين الأيوبي كانت القدس مسيحية بعدها أصبحت ذات طابع إسلامي. ثم عاد اليهود عام 1948.

    فالقدس قبلة الأديان الثلاثة وتستحق قرارا من الأمم المتحدة يسمح لأبناء الديانات الثلاثة بممارسة شعائرهم في هذه المدينة الأممية وليست إسرائيلية إلا لفترة كسائر الفترات.

       

    1. القدس في الوجدان الوطنيّ والقوميّ

    إِعتُبِرَتْ القدس المدينة الحلم والرمز والمعادل الموضوعيّ والهوية كفكرة الوطن والدين، الذي يترامى بظلاله على كلّ شيء. فبعد أن خسرنا القدس إثر هزيمة العرب الكبرى، إرتبط حضورها في يوميّاتنا المراهقة ببندقيّة المقاومة والأغنية الثوريّة والثياب المبرقعة والكوفيّة الفلسطينيّة وصورة قبّة مسجد الصخرة الذهبيّة. ففي فيلم "مملكة السماء"، يُسئَل الممثِّل غسّان مسعود (صلاح الدين الأيوبيّ): ماذا تعني لك القدس؟ فيردّ صلاح الدين: لا شيء وكلّ شيء! القدس الآن تعني بالنسبة لي، كما كانت تعني بالنسبة لصلاح الدين: لا شيء وكلّ شيء. وأجاب الأديب الكبير اللبنانيّ ميخائيل نعيمة إبن دار المعلّمين في ناصرة فلسطين التابعة للجمعيّة الإمبراطوريّة الفلسطينيّة الأرثوذكسيّة الروسيّة على السؤال عينه:

    "إنْ كان للمسلمين حرمين ويعتبرون في إيمانهم القدس ثالثهما، فأنا ومن هنا أؤكِّد لك أنْ ليس للمسيحيّين في كلّ العالم إلاّ القدس فهي كعبتهم الوحيدة، وهي بوصلتهم، وهي موطن مسيحهم السيّد المسيح له المجد وهي قدس الأقداس وإليها يتجهون".

    وهنا لا بدّ من التنويه بما قاله مؤرّخ القدس عارف العارف (في العام 1961) في كتابه "المفصَّل في تاريخ القدس" وهو يختصر بهذه الكلمات البُعد الوطنيّ للقدس:

    وإنّك لترى المسلمين والمسيحيّين من أبناء هذا البلد، وقد انطلقوا جميعًا نحو هدفٍ معيَّن هو التفكير في مصير وطنهم وأُمَّتهم، وهم يسيرون في هذا المضمار على نهجٍ واحد. إنّهم متقاربون كلَّ القرب، من حيث الأخلاق والطِّباع، ومن حيث المبادئ السياسيّة والاجتماعيّة أيضًا. وقد قاوموا الانتداب والوطن القوميّ اليهوديّ دون أن يتمكّن المستعمرون من تفريق صفوفهم، وكان شعارهم الدائم: "الدين لله والوطن للجميع".

    1. الكنيسة الفلسطينيّة المحليّة

    إنّ وجود المسيحيّين في فلسطين والقدس هو وجودٌ كنسيٌّ تاريخيٌّ ثابت ذو رسالة تشهد للقيم المسيحيّة بالتفاعل مع القيم الإسلاميّة من موقع الخصوصيّة الدينيّة والثقافيّة. فالمسيحيّون وعلى الرغم من تعدُّد كنائسهم، فإنّ كنيستهم تبقى "كنيسةً عربيّةً وعروبيّةً بامتياز". وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المسيحيّ الفلسطينيّ هو فلسطينيّ في الدرجة الأولى، يرى في القدس مركزَ هُويّته وعاصمته السياسيّة والدينيّة والثقافيّة؛ فليس للمسيحيّ مطالب سياديّة على القدس انطلاقًا من كونه مسيحيًّا، بينما تنبع هذه المطالب من الهُويّة الفلسطينيّة.

    وقد تكون الضربة التي تلقّتها الكنيسة الفلسطينيّة المحليّة، كانت حين تمّ تنصيب بطريركٍ يونانيٍّ (جرمانوس) في العام 1534م وتسلّمه مقدّرات الكنيسة الأرثوذكسيّة، فعلى أثر الفتح العثمانيّ للقسطنطينيّة بات البطريرك القسطنطينيّ رئيس "الملّة الأرثوذكسيّة" في السلطنة، ونظر إليه العثمانيّون على أنه ممثل جميع الأرثوذكس في السلطنة، ما أدّى إلى سيطرة البطريركيّة القسطنطينيّة ومن خلالها الإكليروس اليونانيّ على جميع البطريركيّات الأرثوذكسيّة الخاضعة للإستانة. فتمَّت "يَوْنَنَة" البطريركيّة المقدسيّة في القرن السادس عشر، وحلّ البطاركة اليونان مكان العرب، وهو ما أدّى إلى ضياع الكثير من الأماكن المقدّسة، إذ قد قام البطاركة اليونانيّون ببيع الأراضي المقدّسة وأوقاف الكنيسة وفرّطوا بالمقدّسات، كونهم لا ينتمون إلى هذه الأرض العربيّة، ولا يتجذّرون فيها.

    في سياقٍ مُغاير، تُعتبر كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك الكنيسة العربيّة والعروبيّة في فلسطين عمومًا والقدس خصوصًا، وذلك بفضل مساهمات قياداتها الكنسيّة في القضيّة الفلسطينيّة، أذكر منهم:

    • المطران غريغوريوس حجّار، إبن قرية قيتولي – قضاء جزّين (1901-1940). لُقِّبَ بـ "مطران العرب ومسيح الشرق" وقد أُغتيل وهو في طريق العودة من القدس إلى حيفا بعد أن كان قد حرّر ثلاثة شبّان مسلمين من المشنقة في القدس. وقد عُرِفَ بمواقفه المناهضة للإنتداب والصهيونيّة.
    • المطران جبرائيل أبو سعدى وهو إبن مدينة الرعاة، بيت ساحور. عَمِلَ على تثبيت دعائم الوجود المسيحيّ في فلسطين والقدس من خلال النهضة العُمرانيّة التي طالت أرجاء فلسطين والقدس.
    • المطران إيلاريون كبّوتشي وهو حلبيّ المنشأ فلسطينيّ الهويّة. تميّز بوطنيّته الصادقة وحبِّه لفلسطين وأهلِها وبنضاله من أجل قضيّة شعبٍ لم يرّ يومًا الحريّة والاستقلال. قال ذات يوم: جنّدتُ نفسي لخدمة فلسطين لأنّ المسيح هو الفدائيّ الأوّل، وعلى التلميذ أن يسير على خطى معلّمه.
    • المطران يوسف ريّا، الذي دعا إلى إضرابٍ عن الطعام في قضيّة قريتي إقرث وكفر برعم في العام 1972 أمام الكنيست ورئاسة الحكومة في القدس، وأمر كنائس الجليل بقرع أجراس الحزن حِدادًا على موت العدالة في إسرائيل.
    • المطران لطفي لحّام (البطريرك السابق غريغوريوس الثالث)، الذي عَمِلَ على تثبيت الوجود المسيحيّ في القدس والأراضي الفلسطينيّة من خلال بناء الإسكانات للعائلات الشابّة ومن خلال أيضًا تأسيس مركز اللقاء في القدس والذي يُعنَى بالحوار المسيحيّ – الإسلاميّ.

     

    1. القدس اليوم!

    وفق إحصاء عام 1922 الذي أجراه الانتداب البريطانيّ كان عدد المسيحيّين في القدس 14,700 نسمة؛ ووفق إحصاء 1945 الذي أجراه أيضًا الانتداب البريطاني بلغ المسيحيّون نحو 29350 نسمة. وكان يُفتَرَض أن يصل عدد المسيحيّين المقدسيّين إلى 100 ألف في العام 2000 لولا عواملَ عدّة أبرزها الاحتلال وتغييب المسيحيّين والتناحر بين الطوائف المسيحيّة. أمّا اليوم، فقد وصل عدد المسيحيّين في القدس إلى منحًى كارثيّ، إذ تضاءل عددهم بشكلٍ ملحوظ، ليصل إلى 3.3%. ويُقدَّر عدد المسيحيّين في القدس حاليًا بثمانية آلاف، من إجمالي عدد السكان البالغ 300 ألف فلسطينيّ. إنّ اندثار مسيحيّي القدس يعني تغيير هويّة المجتمع والفسيفساء التي تُشكّل جميع الطوائف في القدس.

    ومن المؤسف جدًّا في الحديث عن القدس الإعلان أنّها تعني "اليهود والمسلمين" كأنّ لا وجود للمسيحيّين ولا للمقدّسات المسيحيّة التي هي أقدس مقدّساتنا. مصدر هذا الإغفال في الغرب هو الفكر الملحد العلمانيّ الذي يتذرّع بفصل الدين أي الكنيسة عن الدولة، وفي الشرق يأتي خوفًا من المسلمين، كأنّ احترامنا لحقوقهم يلغي حقوقنا. وجاء إعلان الرّئيس الأمريكي عن القدس عاصمة لإسرائيل دليلاً على استهتار أمريكا وإسرائيل بالشرعيّة الدوليّة. وجاء الرد من البابا فرنسيس كافيا مطالبا باحترام الشرائع الدولية حول القدس.

    في فلسطين، حيث كانت نسبة المناضلين في صفوف المسيحيّين أعلى من نسبتهم بين إخوتهم المسلمين، جاء الفكر التكفيري ليُهمِّش المسيحيّين الفلسطينيّين سياسيًّا، ويدفعهم للهجرة نحو الكُمُون أو نحو الخارج. ترافَقَ ذلك مع سياسات إسرائيليّة تقليديّة تبحث عن صورةٍ للصراع يكون فيها لَونان، يهوديّ ومسلم، يَنسِف الشرعيّة الوطنيّة عن الصراع التحرُّريّ، ويُحوِّله صراعًا يهوديًّا – إسلاميًّا، يُسوِّغ الدولة اليهوديّة. سبب الهجرة إذًا هو التهديد ومصادرة الأراضي، وبروز الأفكار التكفيرية التي ما برحت تهين المسيحيّين. مع العلم أنّ المسيحيّين في فلسطين كانوا روَّادًا وأوائل في مقارعة الاحتلال الإسرائيليّ.

     

    1. خلاصة

    بعد أن استعرضنا أهمّ النقاط التي تتعلّق بالقدس من النواحي الدينيّة والوطنيّة والكنسيّة، لا بدّ من طرح بعض الحلول والاقتراحات التي من شأنها أن تُساهم في بلورة رؤيةٍ وطنيّةٍ جامِعة مغايرة للرؤية الحاليّة الأُحاديّة الجانب في إدارة قضيّة القدس:

    أوّلاً: وجب وضع رمز كنيسة القيامة بجانب قبّة الصخرة الذهبيّة على اسم فلسطين. فالمسيحيّون الفلسطينيّون عامّة والمقدسيّون خاصّة يشعرون بأنّهم غرباء أو متغرِّبون عما يحدث في القدس وكأنّ الصراع بات يهوديًّا – إسلاميًّا. إنّ المستفيد الأوّل والأخير من تحويل الصراع على القدس إلى صراعٍ دينيّ هي إسرائيل، التي تعتبر نفسها الأحقّ تاريخيًّا ودينيًّا في القدس، وإنّ إقصاء المسيحيّين الفلسطينيّين عن القدس يخدم مصلحة إسرائيل ولا يخدم القضيّة الفلسطينيّة.

    ثانيًا: لا بدّ من اتّخاذ خطواتٍ عمليّةٍ في موضوع مناهج التاريخ، بحيث يَظهر فيها دور المسيحيّين المشرقيّين عامّة والفلسطينيّين خاصّة في كتابة تاريخ وطنهم وتأثيرهم فيه وهم يكادون لا يُذكَرون في المناهج الدراسيّة. فالطبقة النُخبويّة تَعِي تمامًا أهميّة الوجود المسيحيّ في المشرق وفلسطين، ولكنّ المشكلة تكمن في الطبقة الشعبيّة التي باتت غير قادرة على التّمييز بين المسيحيّ القوميّ وذلك المستَعمِر، ممّا يزيد من حِدّة التعصّب والرفضيّة للشريك المسيحيّ لا بل وتهميشه باعتباره من "بقايا الصّليبيّين".

    ختامًا أؤكِّد أنّ المسيحيّة المشرقيّة ليست أقليّة ولا تُقاس بالأرقام، وليست الحلقة الأضعف بل هي مذود النهضة الفكريّة الحضاريّة، ولا تقبل الدُونيّة، أو التقوقع أو الإنعزاليّة أو الإحباط بسبب بروز التيار التكفيريّ الأصوليّ الذي يقتل ويخطف ويُهجِّر، ويحرق الكنائس والأديار والمساجد. فالصوت المسيحيّ الوطنيّ يؤكّد على الحضور المسيحيّ الأصيل على هذه الأرض، والذي بدوره ينادي بالمواطنة، والمساواة، والعدالة، والكرامة، والمشاركة في صناعة القرار الوطنيّ دون مِنّةٍ من أحد.

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME