راعي الأبرشية / عظات

  • 26 Jan 2019

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في صلاة أسبوع الوحدة مغدوشة في 26/1/2019


    نتطلع في هذا الأسبوع من كل عام إلى أنشودة نحب أن نسمعها ألا وهي وحدة كنائسنا. وبنظرة موضوعية ثاقبة إلى الواقع نرى أننا منقسمون إلى رأيين: أحدنا يعتبر أننا قطعنا شوطا كبيرا في الوحدة، وآخرون يعتقدون أننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق هذه الغاية. وهذان الموقفان مردّهما إلى الرغبة في أن نرى يوما من الأيام هذه الوحدة تنضج بشكلها النهائي.

    بالتوجه إلى العمق نتساءل ما هي الوحدة؟ هل هي ذوبان الكنائس بعضها ببعض؟ لا لأن الذوبان يلغي الصغير لحساب الكبير.

    هل هي التفكير بالمسيح بطريقة واحدة لا ثاني لها؟ لا لأننا هكذا نحجّم المسيح.

    من الأغراض الرئيسية التي هدف إليها المجمع الفاتيكاني الثاني هي العمل على استعادة الوحدة بين جميع المسيحيين، مجيبا على هذه التساؤلات بأن المسيح الرب أنشأ كنيسة واحدة لا غير لكن في أماكن عدّة وشعوب متنوعة ومواهب مختلفة. رقم 1 ص 545.

    يقول المجمع في استعادة الوحدة: "يواصل ربنا إرسال نعمته علينا نحن الخطأة ويفيض في هذه الأزمنة الأخيرة في المسيحيين المتشاقّين، روح التوبة ورغبة الإتحاد. وإنهم لكثيرون جدا وفي كل مكان أولئك الذين، قد أدركتهم النعمة، فانبثقت بفعل الروح القدس حركة يتسع نطاقها يوما بعد يوم، بغية استعادة الوحدة بين جميع المسيحيين".

    هذه الحركة تسمى بالحركة المسكونية. يشترك فيها جميع الذين يُدعَون باسم الله الثالوث ويشهدون لربنا يسوع المسيح مخلّصا. رقم 1

    في كنيسة الله هذه الواحدة ظهرت منذ  البدء انقسامات استنكرها الرسول بشدة (1 كو: 1، 10...). عندما تحدث عن المواهب وتكاملها فيما بينها. وفي غضون القرون اللاحقة وقعت إنشقاقات أشدّ خطورة أدّت إلى تباعد في قضايا متنوعة عقائدية وأحيانا نظامية وأخرى في بنية الكنيسة. بيد أن الحركة المسكونية ترمي إلى تذليلها. وأساس الأمر أن الإخوة في الكنائس قد نالوا المعمودية وبُرّروا بالإيمان فصاروا أعضاء في جسد المسيح. فإننا كلنا بحق نحمل اسم المسيح وكلّنا إخوة في الرب يسوع. وتعترف الكنيسة الكاثوليكية اليوم، أن الخيور والعناصر التي تؤلف الكنيسة وتبنيها، يمكن أن توجد أيضا خارج نطاق الكنيسة الكاثوليكية منها: كلمة الله، حياة النعمة، الإيمان والرجاء والمحبة، وغيرها من مواهب الروح القدس وعناصر أخرى ظاهرة. رقم 3 ص 549-550. وهذا كله ينبع من المسيح ويقود إليه. ولا بدّ أن ذلك يولج في شركة الخلاص. هذا ما جاء في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية.

    يبقى إيمان الكنيسة الكاثوليكية بأنها وسيلة عامة للخلاص قائماً، لكن دون أن تنفي أن في سائر الكنائس أيضا وسائل خلاصية. رقم 3 ص 550.

    لذا يُفهم بالحركة المسكونية مجموع المشاريع والمبادرات التي تنبثق وتنظَّم على حسب مستلزمات الكنيسة المتنوعة وتقتضي الأحوال في سبيل وحدة المسيحيين. من ذلك أولا، كل مسعى لإزالة الأقوال والأحكام والأعمال التي لا تنطبق على مفهوم الوحدة. ثم الحوار في اجتماعات المسيحيين إذا نظمت بروح ديني وقاد الحوار أهلُ الخبرة والنية الحسنة. فيفسّر كلُّ واحد تعليمه تفسيرا دقيقا يبين ما يميزه. فإن هذا الحوار يُكسب الجميع معرفة أصح لتعليم كل طائفة ولحياتها. ثم التعاون بين هذه الطوائف على نطاق أوسع يشمل بنيان الخير العام. وكذلك القيام بصلوات مشتركة للتقدم بالوحدة وإصلاح ما يعتريها في نفس كل واحد منا أولا ثم في الجماعة. رقم 4 ص551. ويقول قرار المجمع الفاتيكاني أيضا: "لطالما دعت الكنيسة أمس واليوم إلى التجدد. وحتى في الحقل المسكوني إن هذا التجدد له قيمة بالغة الشأن. فينبغي أن نرى في وجوه حياة الكنيسة المختلفة التي بموجبها يتم التجدد المقصود كالحركة الكتابية والليترجية والوعظ والتعليم المسيحي ورسالة العلمانيين والأنماط الجديدة في الحياة المكرسة وروحانية الزواج وتعليم الكنيسة الاجتماعي، ضماناتٍ وعلاماتٍ خيّرة تبشّر بنمو الحركة المسكونية في المستقبل". رقم 6 ص 554.

    "يبقى الأهم هو إحداث تجددٍ في الباطن. ذلك أنه من تجدد الروح ونكران الذات وفيضان المحبة تنطلق الرغبة في الوحدة وتبلغ نضجها" يقول البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته عن وحدة الكنائس. لذلك يجب أن نلتمس من الروح القدس نعمة التجرد الصادق والتواضع والوداعة في الخدمة والسخاء الأخوي تجاه الآخرين. فلقد قال بولس الرسول : "أناشدكم أنا الأسير في المسيح أن اسلكوا بمقتضى الدعوة التي دعيتم إليها بكل تواضع ووداعة محتملين بعضكم بعضا بأناة ومحبة، مجتهدين في حفظ وحدة الروح برباط السلام". أف 4: 1-3.  رقم 7 ص 555.

    هناك الكثير مما يمكننا القيام به معا. لاسيما التطور الاجتماعي والتقني لجعل الإنسان يقدَر حق قدره. والعمل على نشر راية السلام ومواصلة تطبيق مبادىء الإنجيل الاجتماعية وإنماء العلوم والفنون في جو مسيحي. وتأمين العلاجات لأمراض ومآسي هذا العصر: كالجوع والفواجع والجهل والفقر وأزمة السكن وعدم التساوي في توزيع الثروات وسواها. إن هذا التعاون هو خير سبيل إلى المزيد من التعارف والتقدير المتبادل ثم وفي هذا الجو الأخوي تتم التهيئة إلى الوحدة المسيحية. رقم 12ص 558. وهنا قترح العديد من أبناء الكنائس بتبديل كلمة الوحدة بكلمة المحبة وأشعر نفسي أنضمّ إلى هذه الطغمة من المؤمنين.

    في نظرة على شرقنا العزيز، يجب اعتبار التنوع الكنسي بين الشرق والغرب غنى حقيقي. فتقاليد الشرقيين الصحيحة متأصلة في الكتاب المقدس تأصلا بالغا. كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني. وهي مبسّطة ومعبّر عنها في الليترجيا الإلهية وتتغذى من تقليد الرسل الحي وكتابات الآباء الشرقيين وتميل إلى أن تمسي قاعدة حقيقية للسيرة بل لمشاهدة الحقيقة المسيحية مشاهدة كاملة. رقم 17 ص 562...

    في حقيقة الواقع نشكر الله أننا بلغنا إلى هذه الساعة. خاصة نحن في الكنائس الشرقية، حيث اختلاط عائلاتنا يُشعرنا أن لا فوارق بيننا. وأننا أهلٌ وأبناءُ وإخوةٌ لبعضنا البعض. لقد علّق البطاركة الشرقيون في مؤتمر الشرفة 1996العمل بشروط الزواجات المختلطة  بإجراء الوعد بتربية الأولاد تربية دينية بحسب الكنيسة العاقدة للزواج، وذلك بموجب ما ترسمه القوانين 813-816 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، والقوانين الأورثوذكسية.  واعتبروا أن التربية الدينية في الكنيستين هي واحدة ولا ضرورة لوضع مثل هذه الشروط. وأتت بعد ذلك مسألة المشاركة في المناولة المقدسة لتعتبر مسموحة بشكل تلقائي في العائلات المختلطة. كما هناك العديد من مظاهر التقارب والإندماج بين أبناء كنائسنا كالمدارس والنوادي والأحزاب وسواها.

    إن جهازنا البشري في الشرق هو جهاز مختلط جدا. ويخلق هذا الواقع حوارا مسكونيا معيوشا لا حوارا عقائديا معقّدأ بحد ذاته. وقد يعطي الشرقيون للكنيسة جمعاء هذا المثل المسكوني. فالمطلوب إعادة النظر في العقائد على ضوء ما يعيشه الشرقيون في الحياة اليومية. وكثيرون من أبناء كنائسنا يؤمنون إلى جانب الرباط العائلي، أيضا بقرابة العماد والميرون ولو جرى بين الكنائس. ونصلي في هذا الأسبوع لأجل تحقيق هذا الهدف إذا ما كان لخير الكنيسة.

    لا شك أن دور كنيستنا الملكية في مجال العمل المسكوني كبير وكبير جدا. وكم أتمنى أن يتبنى سينودسنا المقدس هذا الخط بملئه. هناك الكثير الكثير مما يمكن عمله. وقد وعدنا غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث بإعادة مجلة الوحدة مشكورا. ونحن نمد يد العون له. وكم أتمنى أن يكون لكنيستنا الملكية دور مقبول من جميع الكنائس. فكلنا كنائس مسكونية ولا أحد سيبقى على حاله إذا ما تم الإتحاد. هذه هي الوحدة أن أتحرك من موقعي لأتلاقى مع الآخر. وإذا بقي كل في موقعه فلا تلاقي لأحد مع الآخر. الكنيسة الملكية تحرّكت وتنتظر التلاقي. ولو فُهم هذا التحرك سلباً من البعض فلنصلي اليوم من أجل هذا التلاقي على غرار لقاء أثيناغوراس وبولس السادس الذي أدى إلى رفع الحرمات.

    أشكر أصحاب السيادة الذين تواجدوا معنا اليوم، سيادة السفير البابوي جوزف سبيتيري، والمستشار في السفارة مونسنيور سانتوس وصاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث، سيادة المطارنة مارون عمار والياس كفوري وجوزف معوّض رئيس اللجنة المسكونية في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان والقسيس مخايل سبيت على حضورهم. وأشكر الكهنة ووقف مغدوشة على استقبالهم لنا لإقامة الصلاة للوحدة في هذا العام. وشكري لجميعكم أيها الإخوة هنا وللمشاهدين على شاشة تيلي لوميير.

    ونسأل الله معكم أن يوحّدنا مع ذواتنا فنتوحّد مع الآخرين. آمين.

     

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME