راعي الأبرشية / عظات

  • 07 Oct 2016

    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في ذكرى عاشوراء


    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في ذكرى عاشوراء

    المصيلح في 6/10/2016

    في كل عام تطل عاشوراء بحدثها المعروف والمقدّر عالياً. إنه العتيق المتجدّد دوماً بمعناه ورمزيته وواقعيته. فبالرغم من السنين المتراكمة حوله يبقى من أهم أحداث الأمة وأعمقها درساً وأمثولة.

    أولاً: جديد عاشوراء أنه حدث مرآة لحياتنا اليومية. نقيس أمورنا بمقياس البطولة فنكتشف أننا تراجعنا ليس قليلاً بل كثيراً كثيراً. جميل ذكرى البطولة لأنه يكشف عوراتنا. وكأني بالبطولة قد أفَلت إلى غير رجعة.

    ثانياً: عاشوراء تبقى جديدة لأنها قيمة والقيمة لا تفنى.

    إن مجتمعاتنا بحاجة إلى القيمة. يقول الفيلسوف توما الأكويني : "إن القيمة هي المبدأ العقلاني الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات". إذا فقدت القيمة أصبحنا كسائر المخلوقات: نعيش لنأكل ونتقاتل لنأكل ونموت من كثرة الأكل ونحن بموضع متقاتل. وقد برهنت التجارب أن أكثر الناس الذين يموتون إنما يموتون من كثرة الأكل لا من الجوع والعوز. وقلة تموت من سوء استعمال التغذية. وانتفت فئة الذين يموتون من عدم وجود الطعام. فالتقاتل على الجوع فقد موضوعه وحلّ مكانه التقاتل على الأكل نوعاً لا كمًّا.

    فقدان القيمة في العالم علامة سيئة للغاية.

    دعونا نتأمل بقيم الحسين:

    الكبر والتواضع: لقد أبى الحسين إلا أن يشارك في الدفاع عن الفقير والمظلوم والجائع وكل ضعيف ومستضعف. هو الذي لم يحتج إلى ثورة ليعيش بكرامته ويؤمن لقمة عيشه، دافع بتواضع وبشراسة المقتنع عن الحق، وقدّم كل ما عنده في سبيل قناعته: قدّم حياته.

    الشجاعة: لم يأبه الموت بل رأى المنون يقترب لا محال بمقياسه عدم التوازن بين العنف الحاصل والدفاع الضعيف. وعرف أن موته سيكون رمزاً خالداً  فلم يتراجع. بل سار بشجاعة إلى مسرح التضحية ليصبح الذبيح فداء الأمة.

     الصدق: لقد أصبح الحسين  مثالاً للصدق أولاً مع الذات. وثانياً مع الله وثالثاً مع أخوته في البشرية. فبعد أن اقتنع بلزوم المعركة أقدم مقتحماً قناعات المغتصب. وساعده بذلك إيمانه بالله تعالى مقتنعاً أن دمه سيكون ذبيحة طاهرة بين يدي خالقه. ومفعماً بمحبة الناس لاسيما الذين دافع عنهم واعتبرهم مظلومين. ثلاثة أعمدة كوّنت شخصية الحسين الصادق: الإيمان بالله وتكريم الإنسان وعنفوان الذات التي يتمحور فيها وحي الإله ومحبة خلائقه.

    الحكمة: إن رأس الحكمة مخافة الله. والحكمة في الحسين تكمن في تفضيل خيار الله له بوحي آتاه بلحظة استنارة. فلم يتوانى عن المعركة وإن خلا الأمر لبعض المشاهدين تهوراً أو انتحاراً. الحسين الحكيم كتب حكمة كلفته حياته. وما إن مات حتى عاد إلى مسرح الحياة مثالاً لكل حي يريد أن يعيش بكرامته وعنفوانه. وما أسخف الحياة من دون كرامة وعنفوان.

    قيم أخرى كثيرة زينت شهادة الحسين. وكل قيمة إنما هي دعوة للتأمل والصلاة والتوبة أمام الله عزّ وجلّ.

    نتساءل هل القيمة معاشة في أيامنا كما أرادها الحسين؟

    المشهد العربي لم يعد عربياً لانتفاء العروبة من معناها. إن عاشوراء بريئة من دماء الشهداء في المنطقة العربية. فتقاتل الإخوة عودة إلى لوحة قايين وهابيل المرة في تاريخ الإنسان. سأل الله قايين أين أخاك هابيل؟ فأجابه ألعلي حارساً لأخي؟ قال الله إن دماء أخيك تناديك فملعون أنت ومن الأرض مطرود. وكأني بإلهنا يطردنا اليوم كلنا من أمام وجهه لأننا تقاتلنا. يقول لنا إن عدوكم معروف فاذهبوا وقاتلوه إنه داعشي الهوى ومنحرف عن التعاليم السماوية وأراكم تلتهون في قتل بعضكم البعض أنتم من حفظتم الآيات وعلمتموها لأولادكم وأحفادكم. فلماذا تتقاتلون؟

    عدوكم يضحك من خلف حدودكم عليكم. إنه والداعشية واحد بحيث لم يؤذِ هذا الوحش حتى هذه اللحظة ذاك الذئب لا في دياره ولا في أي مكان آخر من العالم. كل زاوية في العالم باتت معرضة للخطر الداعشي إلا إسرائيل.  ويقف الله تعالى ويكرّر السؤال: ترون الحقيقة ساطعة كالشمس فتتقاتلون وتسترسلون في القتال. إن الدماء الزكية التي تذرفونها لن ترحم قراءتكم السقيمة للواقع المؤلم هذا. وأنا كمسيحي أتفرج باكياً على الإسلام الذي نسي القراءة في كتاب الوحي في القرآن الكريم كما نسينا نحن لفترة كيف نقرأ الإنجيل. بالله عليكم يا مسلمون أوقفوا القتال فالحسين سقط مرة واحدة وقال من له أذنان للسماع فليسمع ومن له عيون للقراءة فليقرأ وما بالكم تسقطون الحسين كل يوم ولا تسمعون ولا ترون فتقرأون.

    عذراً يا إخوتي لم أرد أن أكون وقحاً إلى هذا الحد بكلمتي لكني أبكي شهداءكم مثلكم تماماً بل وأكثر لأني لم أر يوما في أي قتال عربي حكمة بل فعلاً وردة فعل. لقد تجزأت أفكارنا ولكل جزء أتباع ولا نعرف من أساليب الحوار إلا التقاتل فهل هذا ما علمتنا إياه عاشوراء.

    أين القضية الفلسطينية. أشبهها بطفل يبكي بعد أن قتل والداه وإخوته. تذكروا معي ذاك الطفل الذي اعتلت صورته شاشات الإعلام في حلب مؤخراً جالسا على كرسي تبكيه مذيعة ال CNN الأجنبية غير العربية. أشبه القضية لهذا الطفل الذي لم يبق له أحد يطالب بحقه. لكنه سيكبر يوماً لأن الحياة أقوى من الموت. سيكبر ليحاكم كل من تركه وحيداً. والويل لمن تجرفه أحكام ذاك الصبي.

    في ذكرى عاشوراء أتطلع إلى عشرات السنين من الحياة الفكرية والإعلامية العربية. أستعيد تاريخ ثورات وانقلابات تحت رايات عديدة. إذا أردنا أن نجمع ما قيل عن قضايا العروبة والقضية الفلسطينية لا أظن أن العالم يسع الصحف المكتوبة.  أين هي قضايانا اليوم؟ تبخرت في لحظة واحدة. فهل كنا نكذب على بعضنا؟

    في ذكرى عاشوراء أتطلع إلى وضع لبنان أيضاً. إنه ليس بوضع حرب لكنه في وضع نفايات لم نشهد لها مثيلاً حتى أيام الحرب اللعينة. إنها أيام أبشع من أيام القتال. وبعضنا تمنى أن تعود الحرب فتتدبر النفايات.

    في لبنان أيضاً وعلى ضوء قيمة عاشوراء ألف سؤال وسؤال :

    هل التهرب من انتخاب رئيس للجمهورية بسلة أم من دون سلة هو بطولة؟

    هل العمل لمصلحة دول غريبة دون النظر إلى مصلحة لبنان المطلقة هي بطولة؟

    إن عكس البطولة خيانة وجبانة وجهل وفساد. فإما أن نستمر في خطنا أو أن ننقذ لبنان والعروبة والإسلام والمسيحية. وما أكثر أخطاء المسيحيين وأخطاء المسلمين. فلنعد إلى المسيحية والإسلام. لقد ارتبط مصيرنا ببعضنا ولا يحق لنا أن نفكر كل على حدة. إن آيات كتبنا المقدسة تحتم علينا التفكير معاً واستخلاص العبر من هفوات مميتة والتطلع إلى مستقبل واعد.

    أقرا اليوم في كتاب عاشوراء فترتاح نفسي إلى القيمة المضافة وإلى التعليم الثابت وإلى البطولة المعلمة.

    أجمل صورة لإنسان قارئ جيد في الإسلام هو الإمام الصدر. فالقراءة السليمة ليست مستحيلة. إنها واقع عشناه برفقة رجل جسّد قيم عاشوراء وآمن بلبنان النظيف. فتعالوا نقتبس من الحسين ما قرأه الإمام المغيب موسى الصدر. هذا الحسين الجديد، الذي وإن قرأنا بعيونه لما بلغنا إلى ما نحن عليه اليوم.

     نشدّ على أيديكم يا دولة الرئيس حامل شعلة الإمام وعلامة الأمل في لبنان الغد.

    لقد تعدّدت مبادراتكم ونحن دوماً بانتظارها. حتى مبادرة الرئاسة الأولى نتمنى أن تنضج من هنا بسلة نعهد بها إليكم أن تكون سلة بابا نويل تفرح قلوب اللبنانيين مسيحيين ومسلمين فإننا نثق بعدالتكم.

     

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME