راعي الأبرشية / عظات

  • 20 Jan 2017

    كلمة في في جنازة المثلث الرحمة المطران هيلاريون كبوجي


    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد

    في جنازة المثلث الرحمة المطران هيلاريون كبوجي

    صيدا في 20/1/2017

    نلتقي اليوم تحية لروح كبير من قومنا هو المثلث الرحمة المطران إيلاريون كبوجي. لقد تتالت القداديس والصلوات في كافة أبرشياتنا لروحه الطاهرة. وها نحن بدورنا نقف لنصلي في أبرشيتنا الصيداوية ومعكم أحباء المطران وأحباء القضية الفلسطينية لراحة نفس الراحل .

    حملت بداية العام 2017 نبأ رحيل المطران هيلاريون كبوجي، مطران القدس في المنفى والنائب البطريركي للقدس في روما (عن 94 عاماً ).
    "المطران الفدائي" ناضل من أجل القضية الفلسطينية في شتى المجالات ومختلف الوسائل، حيث أصبح عنواناً بارزاً من عناوين القضية الفلسطينية، وأحد أبرز المناضلين في صفوفها، ومجسّداً حقيقة قدسية القضية الفلسطينية، وأنّها لا تقتصر على أبناء فلسطين فحسب، ولا على المسلمين فقط، ولا على القيادات غير الروحية، ولا حتى على سن معيّنة، ولا جنسية، صانعاً نموذجاً فريداً من النضال من أجل أقدس القضايا.
    هذا هو المطران كبوجي، الذي تفتّحت ذاكرتنا على إسمه، وعرفناه لاحقاً عن كثب، سوري الجنسية... كاثوليك المذهب... لبناني الهوى... فلسطيني الانتماء.
    هذه النماذج لرجل الدين المولود في حلب، بتاريخ 2 آذار 1922، وانتقل في العام 1933 إلى "دير الشير" - قرب عاليه في لبنان، وبقي حتى العام 1944، فالتحق بدير القديسة حنّة في القدس، وتابع دراسة اللاهوت وسيم كاهناً في العام 1947. ثم عيّن رئيساً عاماً للرهبانية الحلبية في العام 1963، وسيم مطراناً بتاريخ 6 تشرين الثاني 1965، وعيّن رئيساً فخرياً لأساقفة قيصرية في فلسطين، ونائباً بطريركياً في القدس للروم الكاثوليك.
    وبعد الاحتلال الإسرائيلي لأول عاصمة عربية، مدينة القدس في العام 1967، كان للمطران كبوجي دور هام في تثبيت المقدسيين في مدينتهم، مفشّلاً مخطّط ضرب المسلمين والمسيحيين، بل مجسّداً التلاحم بالتصدّي لقوّات الاحتلال. فتعدّت عظاته ومواقفه الإعلامية إلى صياغة بيانات وتحرّكات كانت فيها بصماته واضحة، وصولاً إلى دعمه للمقاومة ونقله السلاح للفدائيين.
    جرت محاكمة المطران كبوجي، وصدر بحقه حكم بتاريخ 24 أيلول 1974 قضى بسجنه لمدة 12 عاماً، لكن بناءً لطلب البابا بولس السادس أُفرج عنه بتاريخ تشرين الثاني 1977 مع إبعاده عن فلسطين، واشتراط عدم تدخّله بالسياسة. فعيّنه الفاتيكان زائراً دينياً لأبناء طائفته في أميركا اللاتينية، حيث التزم بذلك، على ألا تتعدّى المدّة لأكثر من 3 أشهر، وقد مرّت دون اتصاله بأحد، مدركاً أنّ هناك مؤامرة لإبعاده عن فلسطين.
    لكن مَنْ رضع حليب الفداء ونصرة المظلومين أصبح من أبرز الدعاة للقضية الفلسطينية، وفي شتى المجالات، فاستقل طائرة من الأرجنتين باتجاه سوريا التي وصلها بتاريخ 19 كانون الثاني 1979،  ليشارك في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني.
    ولم يمنعه تقدّمه في السن من مواصلة النضال من أجل قضية فلسطين، فشارك في "سفينة الأخوّة" بتاريخ 4 شباط 2009، منطلقاً من شمالي لبنان باتجاه غزّة لكسر الحصار عنها، حيث اعتقل مع عدد من المتضامنين، وأطلق سراحه عند بوابة الجولان.
    ثم شارك في "أسطول الحرية" بتاريخ 31 أيّار 2010، الذي تعرّض إلى هجوم من قبل قوات الاحتلال ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى في السفينة "مافي مرمرة"، فاعتقل وأُبعد إلى الأردن، ومنها عاد إلى سوريا بتاريخ 8 حزيران 2010. 
    وهكذا الشغوف لتكحيل عينيه برؤية فلسطين وتنشق هوائها العليل قبل أن يغادر الدنيا، حقّق له الاحتلال أمنيته مرّتين، بعد أن اعتقل فيهما وهو على متن سفن التضامن، ونقل من أقصى الجنوب الفلسطيني إلى شرقها وشمالها.
    وكما كان في مختلف مراحل حياته، زاهداً في العمل على الوحدة الوطنية والقومية والعربية، وأيضاً على وحدة الصف المسيحية الإسلامية، حقق ذلك بأنْ شارك في الصلاة التي أُقيمت بعد الفجر على متن سفينة التضامن في العام 2010، مجسّداً صورة عن التعايش بين الديانات التي أحوج ما نكون إليها في أيامنا الراهنة، حيث يتم القتل باسم الدين وهو منهم براء.
    جرى تكريم المطران الفدائي، في فلسطين ولبنان وسوريا، والعديد من الدول، التي أصدرت طوابع تذكارية تكريمية له.
    لقد شكّل المطران الراحل نقطة تحوّل هامة في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني يحتذى بها، نظراً إلى تميّزها في كافة محطاتها ومفاصلها.
    اليوم يرحل المطران كبوجي، وهو الذي اعتصر قلبه باستمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والجولان السوري، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا في لبنان، وحالة التمزّق التي تعيشها سوريا والعديد من الدول العربية، وهو الذي كان قد وعى باكراً مخاطر المخطّط الهادف إلى تفتيت وإشغال الدول العربية خدمة للكيان الصهيوني.
    يغيب المطران جسداً، وكله أمل بأنّ في الأمة العربية مَنْ سيواصل النضال، بعدما تفتّح وعيهم على ذاكرة الأمل الذين يعرفون المطران الفدائي عن كثب، وكانوا يجدون به ملجأ عند الشدائد.
    يرقد جثمان الراحل بحسب وصيته في حضن والدته في لبنان التي احتضنها بعد وفاتها، وهو بذلك يُؤكّد على نموذج جديد بأن يوارى الثرى في بلاد الأرز، ليبقى مرابطاً في بلاد الشام، ومطمئناً على لبنان في خياله، وعينه على سوريا حيث الولادة وأخرى على فلسطين، حيث سار على درب الجلجلة طالباً الشهادة.

    نستطيع أن نلخص مسيرة هذا الراحل الكبير بأنه رجل قضية إسمها الإنسان. فقد نذر ذاته لخدمة كل إنسان وبخاصة الفقير والمظلوم والبائس. فتلاقت القضية الفلسطينية مع نذوره الرهبانية ووجد أن الإنسان في فلسطين هو مرسل من الله إليه ليحمل قضيته العادلة. لم يفرق بين إنسان مسيحي ومسلم، بين قضية وأخرى. فكل القضايا العادلة تجتمع في عمق تكرس الراهب. قيترفع عن الفئوية والمذهبية ويصبح وطنه ليس من هذا العالم بل الخدمة ليربح العالم الآتي.

    لقد ربح المطران كبوجي قضيته في هذا العالم وربحها في العالم الآتي حيث يلتقي وجه ربه اليوم مرتاحا. فيقول له الله تعالى: "لقد كنت أمينا على دعوتك في محبة الإنسان،  وشاهدا للمحبة والعدالة، لقد جاهدت الجهاد الحسن وأكملت شوطك ببطولة فادخل إلى فرح ربك".

    بإسمنا واسم جميع أبناء أبرشيتنا كهنة وعلمانيين أتقدم بتعازينا القلبية لا بل بمباركتنا لكم بهذا البطل الذي لم يمت اليوم بل ولد كي يبقى ذكره خالدا إلى الأبد.   

    مع القديسين ارح يا رب نفس المثلث الرحمة المطران إيلاريون الراحل حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد بل حياة لا نهاية لها.

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME