راعي الأبرشية / عظات

  • 16 Apr 2017

    عظة سيادة المطران إيلي بشارة الحداد لعيد الفصح 2016


    عظة المطران إيلي بشارة الحداد

    في عيد الفصح

    الأحد في 16/4/2017

                                                                                                                              

    "المسيح قام حقاً قام".

    ولد وتكلّم مبشراً. ثم تألّم ومات لكنه قام منتصراً على الموت. إنها سيرة الله على الأرض. وربّ متسائل لماذا فعل الله ما فعله؟

    ما من جواب لغير المتأملين بجوهر الله. وبالتأمل وحده يكشف الله ذاته. فلا نقدر بقوانا البشرية أن نفهم ما قد تم. والمتفرّج بغير استعداد للفهم الروحي كمن يتفرج على مسرحية لا تمت إلى الواقع بصلة.

    يتحدث الأباء القديسون عن "الفهم الروحي". وهو إدراك إرادة الله على الأمور لا إرادتنا نحن. يعطي الله أطفالاً أحياناً كثيرة أن يفهموا حقائق لم يفهمها الكبار. ويعطي البسطاء أن يدركوا ما لم يستطع العلماء إدراكه.

    هذا هو واقع القيامة. إنه حدث بسيط للبسطاء ومعقّد للفلاسفة. حدث فهمه بطرس ورفاقه الرسل الصيادون وعجز عنه ديكارت ونيتشه وسارتر ولينين وستالين وسواهم من فئتهم. وحدث شعر به الفقراء والأغنياء غير المتعلقين بالمال. ولم يشعر به من خافوا على مستقبلهم.

    حدث القيامة صعب لأنه يحاكي القلب أولاً ثم العقل. إنه حبُّ بين إله وإنسان. والإنسان بطبعه يرفض أن يخضع لمن هو أكبر منه. حتى ولو كان هذا الإله إله محبة. فهو أكبر وهو الكمال والجمال والمصدر. وشعور الكبرياء لدينا يجعلنا نتخذ مكان الإله لئلا يحوجنا أن نحبه.

    صلينا في الصوم صلاة أفرام قائلين: "أيها الرب سيد حياتي لا تبلني بروح البطالة والفضول وحب الرئاسة... بل أنعم علي بروح العفة والاتضاع والصبر والمحبة...". هذه هي خامة المؤمن. لكي يفهم سر الله يجب أن يتّضع.

    القيامة تحاكي كل فرد منا على حدة وتعالج خطايانا الشخصية. كما تحاكي البشرية مجتمعة لتنهضها من مسارها الضعيف. إنها "قوة البشر وحصنهم". تنهضهم إلى أعلى مستويات الوجود، إلى التألّه.

    إذا أردت أن تحاكيك القيامة "أدخل إلى مخدعك وأغلق بابك وأبوك الذي في الخفية يراك". هناك سيشرح لك ما هي القيامة. وإذا بقيت عند عتبة الباب لن تفهم أن المسيح قام. لا تضيع وقتك في الإطالة بدق أجراس الكنيسة بل أدخل إليها. هناك الحياة، هناك ستصرخ: نعم المسيح قام.

    في هذا العام قيامتنا متجسدة بالشهداء الذين آمنوا أن الموت ليس العدم. إنما القيامة هي الديمومة. وصلاتنا للدماء الزكية في مصر وسوريا وكل مكان سقط فيه شهداء القيامة. إنهم مدرستنا وهم آلة البشارة القديمة الحديثة. فلا نخف لأن المسيح قام. حقاً قام.

    في خضم ما يعيشه اللبنانيون اليوم سمعنا بعض التلميحات عن تأزم يذكرنا بالحرب اللبنانية. وسمعنا فخامة الرئيس يؤجل المشكلة شهراً. ودولة رئيس الوزراء يقول "بدي مساعدتكم" لكي لا ندخل في الحرب مجدداً. وفعلاً عدم وجود الحرب في لبنان إنما هو معجزة هذه الأيام. ونحن بدورنا نطلب من كل مسؤول في الوطن أن يساعد شعب لبنان لئلا تؤول المسألة حرباً بين الطوائف. ولكن نطلب من كل لبناني أن يكون متيقظاً ولا ينغمس في لعبة الحرب التي تقتلنا جميعاً. آن الأوان لنعي أن الطائفة لم تعد تعني شيئاً في لبنان. إذا كنت خائفاً على وظيفتك فالدولة المدنية تؤمن لك معيشتك بكرامة أعلى مستوى من مستوى الطوائف. ألا تعلم أن النظام الطائفي هو أدنى مستويات الأنظمة في العالم. لأنه يعلم الكره والإنطواء ويشوّه الأديان بل ويستغلها. وحده النظام المدني يعيد إلى الإنسان وإلى الأديان كرامتها وحريتها.

    ندعو جميع اللبنانيين أن يقلعوا عن دعم طوائفهم ويدعموا الدولة المعاصرة. فيوصلوا إلى المجلس النيابي أشخاصاً يؤمنون بأن لبنان هو للجميع وليس لطوائفهم. "طوائفنا سمّ الوطن. والوطن خير للطوائف".

    عيوننا تدمع على ما يجري في مخيم عين الحلوة. ونداؤنا في هذا العيد إلى الإخوة الفلسطينيين أن أوقفوا القتال. والحوار خير وسيلة لحلّ أكبر المشاكل.

    نصلي من أجل شهداء مصر وسوريا وكل من سقط من أجل قضية فاشلة. قضايانا العربية هي فاشلة ونحن نقدم الشهيد تلو الشهيد من دون جدوى ولا نقدر أن نحلّ ولو مشكلة واحدة في مجتمعاتنا. شهداؤنا هم فدية عن جهلنا والجهل لا يحتاج إلى استشهاد بل إلى علم وثقافة وصلاة. فلنركع ونصلي ونتثقف ونتعلم علّنا نرى الحقيقة ليس عبر طوائفنا وأفكارنا الدينية المنعزلة بل في أوطاننا ومستقبلها الزاهر. ما يؤمّنه الوطن للمواطن هو أضعاف ما تقدمه الطائفة له.

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME