راعي الأبرشية / عظات

  • 01 Nov 2017

    كلمة سيادة المطران إيلي بشارة الحداد في ذكرى خمسماية سنة على الإصلاح اللوثري


    كلمة المطران إيلي بشارة الحداد في ذكرى خمسماية سنة على الإصلاح اللوثري

    صور -  المدرسة الإنجيلية 29/10/2017

     

    أود أولا أن أشكر القسيس إسحق وأشكركم لاختياري أن أقول كلمة في ذكرى مارتن لوثر هذا الرجل الكبير في تاريخ الكنيسة. المهمة ليست بسهلة لأن السنوات تراكمت وتعدّدت الأحداث. لكن بالاتكال على الله كل شيء يهون. وقد سهّل دراستي البحث المشترك بين المجلس البابوي لدعم الوحدة المسيحية والاتحاد اللوثري العالمي بعنوان "من النزاع إلى الشركة" في إحياء ذكرى الإصلاح المشترك اللوثري الكاثوليكي في عام 2017. وقد اقتبست منه بعض المقاطع والأفكار.

    أبدأ كلمتي بافتتاحية الإعلان المشترك بين البابا فرنسيس والقس يونان في لوند قائلَين: "ساعدنا خمسون سنة من الحوار المسكوني المستمر والمثمر بين الكاثوليك واللوثريين على تخطي العديد من الاختلافات  وعلى تعميق فهمنا المتبادل والثقة فيما بيننا. وقد تقرّبنا من بعضنا البعض عبر خدمتنا المشتركة للقريب، وغالبا في ظروف معاناة واضطهاد. ولسنا بعد غرباء عن بعضنا بفضل الحوار والشهود المشتركين. لا بل قد أدركنا أن ما يجمعنا هو أعظم مما يقسّمنا".

    جميل أن نرى القسم الملآن من الكأس لا القسم الفارغ. خمسون سنة بدل أربعماية وخمسين. وإذا أردنا أن نلخّص الأربعماية وخمسين سنة لوجدنا أن الخطيئة في إيقاف الحوار، وتدخل السياسة بالكنيسة هما العنصران الأساسيان في حدث الانفصال هذا. 

    1. الخطيئة في إيقاف الحوار: الإختلاف شيء والتنوع شيء والخصومات شيء. لكل من هذه الحالات أبعادها. والحديث عن الإنقسام،  فلنبحث عن الدافع الأساسي الذي شد إلى الابتعاد النهائي عن الآخر. وليس سهلا أن نحكم على كلا الطرفين أنهما اقترفا خطيئة، الأول بالحرم من البابا ليون العاشر والثاني بقرار تأسيس جماعة منفصلة من قبل لوثر. لكن الأكيد أنهما مسؤولان عن موت الحوار يومها. وهذه هي الخطيئة بأن نفقد الرجاء بأن الروح القدس بإمكانه هداية المختلفين. والدليل هو الزمن وعودة الحوار بعد عدة أجيال وعمل الروح الذي لا يترك كنيسته بدون جواب.

    من خطايا التاريخ الأحكام المسبقة والسريعة ثم والكسل. وهذه وسواها جعلت الإنقسام الكبير يأخذ حيزا مأساويا في الكنيسة، وكذلك الانقسام بين لوثر والبابا ليون العاشر وسائر الانقسامات في الكنيسة. فلنتحاور وإذا لم نتوصل اليوم إلى نتيجة نؤجل الحوار بل نمدّده ونُدخل وسطاء وكل ذلك بوحي الروح القدس الساكن فينا.
    هلّا آمنا بهذا الروح الذي أسّس الكنيسة رغم الخلاف الهام الحاصل بين بطرس وبولس؟ وأتى مجمع أورشليم ليصنع السلام في الكنيسة. "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة بإسمي فأنا أكون بينهم".

    اليوم وقد عاد التقارب الضمني مع اهتمامات لوثر إلى تقييم جديد لكاثوليكيته. فتم الاعتراف أن نيته كانت إصلاح الكنيسة لا انقسامها. ويبدو هذا واضحا في تقارير يوهانس كاردينال فيلبراندز والبابا يوحنا بولس الثاني. وقد أعاد هذا الأمر اكتشاف محورية شخصية لوثر ولاهوته وأدى إلى فهم مسكوني جديد له كشاهد للإنجيل. (راجع الرقم 29).

    من جهته بيّن البابا بندكتوس السادس عشر الطرق التي بها كوّن مارتن لوثر بشخصيته تحدّيا لاهوتيا وروحيا للاهوت الكاثوليكي اليوم، وذلك عندما زار عام 2011 دير الرهبان الأوغسطينيين في أرفورت حيث كان لوثر راهبا. وقال البابا شارحا: "ما شغل بال لوثر على نحو مستمر كان السؤال عن الله. فكان هذا شغفه العميق والقوة الدافعة خلال رحلة حياته الطويلة. كيف أجد إلها رؤوفا؟ شغل هذا السؤال قلبه وضميره وكان الأساس لجميع أبحاثه اللاهوتية وجهاده الداخلي. فلم يكن اللاهوت بالنسبة إليه مجرد أبحاث أكاديمية، بل كان جهادا مع ذاته، وبالتالي كان جهادا من أجل الله ومعه. كيف أجد إلها رؤوفا؟ كان هذا السؤال القوّة الدافعة له مدّة حياته وهذا أمر ما زال يؤثر فيّ تأثيرا عميقا. إذ من يكترث حقا بهذا الأمر اليوم حتى بين المسيحيين؟ فمعظمهم ينطلقون من الفرضية التي تقول إن الله لا يكترث أساسا بخطايانا وفضائلنا". (راجع الرقم 30).

    1. التاثر بالأحداث السياسية: نعرف تماما من خلال معركة لوثر وجهاده أن الأحداث السياسية كان لها مكانة كبيرة في الانقسام الحاصل. السياسة إذا ما دخلت بيتا خرّبته. حتى ولو كان هذا البيت الكنيسة. وقد علمتنا التجارب أن كلّ مرة تعاطت الكنيسة سياسات معينة أودى بها الأمر إلى الاختلاف وابتعاد الروح القدس هربا من بيئة لا يمكن أن يسكن فيها. هذا ما حدث في 1054 وهذا ما حدث في 1517 وفي سائر الانقسامات. هذا ما حدث باختصار في الأربعماية وخمسين سنة.

    أما في الخمسين سنة الأخيرة، فقد اجتهد كلا الفريقان على أن يذلّلا نقاط الخلاف. وعادوا إلى الحوار من حيث انقطع وتوصلا إلى إيجابيات عديدة فاتحين الطريق أمام كل الاحتمالات الطيبة. ولا شك أن البحث حول لوثر والإصلاح اجتاز تطورا جديدا. وقد أدّت خبرات الحربين العالميتين إلى ظهور فرضيات حول مسيرة التاريخ وعلاقة المسيحية بالحضارة الغربية وقد فتحت نهضة لاهوت الكرازة طريقا جديدة للتفكير في لوثر. كما أعان الحوار مع المؤرخين على دمج عناصر تاريخية واجتماعية في وصف حركات الإصلاح. فاعترف اللاهوتيون اللوثريون بتداخل الفكر اللاهوتي مع المصالح السياسية ليس فقط عند الكاثوليك بل عندهم أيضا. كما وساعدهم الحوار مع اللاهوتيين الكاثوليك على التغلب على طرق الفهم النمطية المنحازة لجانب واحد، ليصبحوا ناقدين للذات ولمظاهر تقاليدهم الخاصة على نحو أكبر. (راجع الرقم 31).

    ماذا حدث في الخمسين سنة الأخيرة؟

    1. الاتفاق على التبرير بالنعمة:

    إختلفنا على التبرير هل بالأعمال أم بالإيمان. وبالحوار توصّلت الكنيستان إلى مذكرة تفاهم. فالخلاف ليس بالتبرير بل بقطع الحوار. وإذا ما تابعنا التحاور فأنا على يقين من باب الإيمان، أننا سنتفق في كل شيء. وهذا دلالة على أن الروح القدس غضب لخمسماية عام لكنه هدّأ روعه بالحوار في الخمسين سنة الأخيرة.

    لقد أجمع المشاركون في الحوار اللوثري الكاثوليكي على ارتباط عقيدة التبرير وعقيدة الكنيسة إرتباطاً وثيقاً. ويتّضح هذا الفهم المشترك في الوثيقة التي حملت عنوان الكنيسة والتبرير:" يشهد الكاثوليك واللوثريون معاً أن الخلاص يهبه المسيح بالنعمة وحدها وبقبول بالإيمان. ويتلوان معاً قانون الإيمان معترفين بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية. ويعتبر كلٌّ من تبرير الخطأة والكنيسة بندان أساسيان للإيمان".

    وتقرّ أيضاً وثيقة الكنيسة والتبرير: "نعلن حرصاً على دقة التعبير بأننا لا نؤمن بالتبرير وبالكنيسة، بل بالآب الذي يرحمنا ويجمعنا في الكنيسة كشعبه، وبالمسيح الذي يبرّرنا والذي جسده هو الكنيسة، وبالروح القدس الذي يقدسنا ويسكن في الكنيسة. ويشمل إيماننا التبرير والكنيسة بوصفهما عمل الثالوث القدوس والذي يمكن أن نقبله قبولاً صحيحاً بالإيمان به فقط".

    وبالرغم من أن وثيقتيّ "الكنيسة والتبرير" و"رسولية الكنيسة" قدمتا مساهمات مهمة في عدد من القضايا العالقة بين الكاثوليك واللوثريين، إلا أنه ما زال ثمة حاجة لحوارات مسكونية حول: العلاقة بين المرئي وغير المرئي في الكنيسة، والعلاقة بين الكنيسة الجامعة والكنيسة المحلية، والكنيسة بوصفها سراً "علامة وأداة"، وضرورة الرسامة السرية في حياة الكنيسة، والطابع السّري للرسامة الأسقفية. وينبغي أن تأخذ المباحثات المستقبلية بالحسبان العمل المهم الذي أُنجز في هذه الوثائق المهمة وغيرها. وهذا الأمر ملح جداً لأن الكاثوليك واللوثريين لم يتوقفوا قط عن الإعتراف معاً "بالكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية".

    2- المعمودية أساس الوحدة:

    الكنيسة جسد المسيح. ولأن ثمة مسيحاً واحداً، فله إذا جسد واحد. بالمعمودية يصبح البشر أعضاء في هذا الجسد. ويعلّم المجمع الفاتيكاني الثاني أن الذين اعتمدوا ويؤمنون بالمسيح إلا أنهم لا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية "قد تبرروا بالإيمان في المعمودية، وهم أعضاء في جسد المسيح. ويحقّ لهم أن يسمَّوا مسيحيين، وبحقّ يعترف بهم أبناء الكنيسة الكاثوليكية إخوة في الربّ" (UR 3). 84 ويعلّم اللوثريون المسيحيون الأمر ذاته عن إخوانهم المسيحيين الكاثوليك.

    وبما أن الكاثوليك واللوثريين مرتبطون بعضهم ببعض إرتباطاً وثيقاً كأعضاء في جسد المسيح فلذا ينطبق عليهم ما قاله بولس في 1 كورنثوس 26:12:"فإن كان عضو واحد يتألّم، فجميع الأعضاء تتألّم معه. وإن كان عضو واحد يكرّم، فجميع الأعضاء تفرح معه". فإن ما يؤثر في عضو من الجسد يؤثر في سائر الأعضاء. ولهذا السبب عندما يتذكر اللوثريون المسيحيون الأحداث التي قادت إلى تأسيس كنائسهم فإنهم لا يرغبون في أن يقوموا بهذا الأمر بدون شركائهم الكاثوليك المسيحيين. وحين يستذكرون معاً بداية الإصلاح فإنهم يحملون معموديتهم على محمل الجد.

    ولأن اللوثريين يؤمنون أنهم ينتمون إلى جسد المسيح الواحد فإنهم يؤكدون أن كنيستهم لم تنشأ في ظل الإصلاح أو أتت إلى الوجود قبل 500 سنة، بل هم مقتنعون أن الكنائس اللوثرية يعود تأسيسها إلى يوم العنصرة وتبشير الرسل. واتخذت كنائسهم طابعها الخاص من خلال تعليم المصلحين وجهودهم. ولم يكن لدى المصلحين أية رغبة في إقامة كنيسة جديدة وبحسب فهمهم لم يفعلوا ذلك. بل أرادوا إصلاح الكنيسة، وتمكنوا من فعل ذلك ضمن مجال تأثيرهم، ولو حدث أحياناً أخطاء وعثرات.

    3- الفرح المشترك في الكتاب المقدس

    يشكر اللوثريون الله من أعماق قلوبهم لما قام به لوثر ومصلحون آخرون وتركوه لهم ألا وهو: فهم إنجيل يسوع المسيح والإيمان به ومجمل الكتاب المقدس، والتعمّق في سر الله الثالوث الأقدس الذي قدّم نفسه لنا نحن البشر بالنعمة والذي يمكن قبوله بالثقة التامة بالوعد الإلهي، والحرية واليقين اللذان يعطيهما الإنجيل، والمحبة التي تنبع من الإيمان وبالإيمان تنبّه، والرجاء الذي يجلبه الإيمان بالحياة والموت، والتواصل الحيّ مع الكتاب المقدس، وكتب التعليم، والترانيم الروحية التي تفيض الإيمان في الحياة. إن ذكرى هذه الأمور وإحيائها يضيفان أسباباً إضافية للشكر. وهذا العرفان بالجميل هو الذي يجعل اللوثريين المسيحيين راغبين في الإحتفال عام 2017.

    ويدرك اللوثريون أيضاً أن ما يشكرون الله عليه هو ليس عطيّة يحتكرونها لأنفسهم، فهم يريدون أن يشاركوا جميع المسيحيين في هذه العطية. ولهذا السبب فإنهم يدعون جميع المسيحيين للإحتفال معهم. فيشترك الكاثوليك واللوثريون في الكثير من جوانب الإيمان إذ يمكنهم، بل ويجب عليهم، أن يكونوا شاكرين معاً، ولا سيما يوم الإحتفال بإحياء ذكرى الإصلاح. (هذا ما جاء في مجلة "من النزاع إلى الشركة" المعدة من قبل المجلس البابوي للوحدة والاتحاد اللوثري العالمي).

    وهذا الشكر يجد دعماً في ما صرّح به المجمع الفاتيكاني الثاني:" من الضروري أن يعترف الكاثوليك بفرح بالخيور المسيحية الصحيحة التي تنبع من تراثنا المشترك والتي توجد عند الإخوة المنفصلين عنا. وإنه لحقّ وخلاصيّ أن نعترف بغنى المسيح وأعمال الفضيلة في حياة الآخرين الذين يشهدون للمسيح، أحياناً حتى سفك الدم. فالله هو دوماً عجيب في أعماله، ومن يستحق أن نسبحه تسبيحاً دائماً. (راجع قرار "إستعادة الوحدة رقم 4 من المجمع الفاتيكاني الثاني).

    لقد استفادت الكنيسة الكاثوليكية كثيراً من انكباب اللوثريين على دراسة الكتاب المقدس. حتى أصبح هناك عدد كبير من الدارسين الكاثوليك يشرحون مقاطع الكتاب بطريقة متطابقة مع اللوثريين وسواهم بحيث يتكلمون لغة واحدة في التاريخ واللغة والجغرافيا واللاهوت طبعاً وغيرها من العلوم مبتعدين كل البعد عن اللاموضوعية والأفكار المسبقة. هنا أسأل لو كانت تقنية التفسير الكتابي متطورة إلى ما هي عليه اليوم هل كان حدث انفصال وانقسامات؟ وأميل إلى الجواب بالنفي. ومما لا شك فيه أن الوحي الإلهي في الكتاب المقدس أخذ شكلا أكثر موضوعية بعد اكتشاف خفايا النصوص التاريخية وسواها. وبقي الأساس في الإيمان العقلاني غير المشوّه. حتى كتب البروفسور شتام الراهب الألماني وأحد دارسي لوثر كتابه الشهير "الوحي العقلاني"، وفيه يظهر أهمية دور العقل في استنباط الحقيقة الموحاة. وللكتاب بعد مسكوني قرّب ولا شك الكنائس من بعضها البعض. وبالطبع لن ندخل هنا في جدلية الوحي وأنواعه الحرفية والكاملة والجزئية وسواها. مع قناعتنا أن كل الكتاب المقدس موحى به لكن بعض التفسيرات قد لا تؤدي غرض الوحي هذا.

    هذه النقاط الثلاث احتلّت أهم جلسات الحوار بين الفريقين. وإلى جانب نقاط حوارية أخرى أود أن أتوقف عند نقاط لم يتم التحاور بها وهي بقيت صامتة لكن صداها يؤخذ بالحسبان لجهة التقرب الكبير بين الطرفين.

    1. ما أجمل الخبرة الجريئة. الكاثوليك يختبرون في اللوثرية ما لا يقدرون القيام به في الكثلكة. عنيت أولاً كهنوت المرأة كخادمة للمذبح والوعظ والإدارة. وثانياً الكهنوت المتزوج. ونرى خبرة الكنائس الشرقية الكاثوليكية بهذا الصدد كم هي ناجحة وتؤدي غرض الكهنوت من دون نقص أو خلل. وتوجيه الأنظار إلى المساواة بين الكهنوت والزواج كرسالتين مقدستين متكاملتين أصبح أمرا مدعوما بخبرة بعض الكنائس بل تطال جميع الكنائس. وهناك العديد من الأمور التي لم يتم التوافق عليه كاثوليكيا ولا شك أن اختبارها بباقي الكنائس سيكون له أثره في الكنيسة الكاثوليكية.
    2. الرحمة أولا:

    في سنة الرحمة التي أطلقها البابا فرنسيس هناك الكثير الكثير من الأمور المؤسّساتية في الكنيسة وجب النظر إليها بطريقة جديدة لتشملها الرحمة لا القانون. المتزوج مدنياً لا يتناول جسد المسيح. ومن تزوج كنسيا وطلّق مدنيا ثم عاد وتزوج مدنيا حُرم من الكنيسة. المسيحي ولو رغب بالزواج الكنسي لكن يمنعه مانع خارج عن إرادته، فالبابا يتمنى ممارسة الرحمة وجعله يتناول. أما القانون فلا يسمح له إذ تعتبره الكنيسة زانياً ويُحرم. أما البابا فيريد الرحمة له إذا كانت لديه الرغبة بتسوية وضعه ولا يمكنه لسبب خارج عن إرادته. هذان المثلان وغيرهما مشابه خلقت في رسالة البابا "فرح الحب" جدلية تكاد تكون عنيفة في الكنيسة بين البابا وبعض اللاهوتيين. لن يؤد الأمر إلى انقسام بل إلى جدلية عاشتها الكنيسة مع لوثر نفسه. ولولا مرارة الانفصال مرة في ذلك الزمان لحدث في هذا الزمان. ولا عجب في أن تتلاقى سنة الرحمة مع لقاء البابا فرنسيس والقس يونان تتويجا لمسيرة جديدة في الكنيسة الكاثوليكية. مهم أن نذوق المر كي لا نعود ونذوقه مرة أخرى. وصدق قول البروفسور هاينس شتام قال: "لا شك أن الكنيسة تعلّمت بالإنقسامات ماذا تعني المحبة وأنها اليوم تتمتع بمناعة ضد كل ما يشوّه المحبة هذه تجاه أي ريح انقسام".

    إن مفهوم الرحمة هذا يتلاقى مع احتجاجات لوثر في أطروحاته الخمس والتسعين في كتابه "جدل حول فعالية الغفرانات وقوتها". حيث أوضح قلقه الكبير حول الوعظ عن الغفرانات وممارستها. وقد أثار نقاشا أكاديميا علنيا حول أسئلة مفتوحة لعبت دورا هاما في مفهوم التقوى في ذلك الوقت وما زالت. وقد فُهم الغفران على أنه عقاب زمني سببه خطايا كان قد غفر ذنبها. وكان المسيحيون يقدرون أن ينالوا غفرانا بشروط محددة مثل الصلاة وأعمال المحبة والصدقة. وهذا ما يضر بالروحانية المسيحية برأي لوثر الذي انتقد الغفرانات على أنها تحرر التائبين من عقابات فرضها الله. وتساءل لوثر أليس من الأفضل أن يعطى للفقراء المال المقدم لنيل الغفرانات؟

    إذ تعطي الكنيسة الكاثوليكية الحق للوثر اليوم بما قاله، تبقى الرحمة اللامتناهية نحو القريب خير طريق لبلوغ الملكوت بحسب رأي لوثر والبابا فرنسيس.

    1. الوحدة في المحبة وتحديات أخرى:

    إن التحديات المشتركة عديدة ومدعاة إلى توحيد الجهود لا بل إلى الوحدة الكاملة. أولى التحديات ضعف البشارة بالتعليم وبالمثل أي قولاً وعيشاً. وكل تباعد يشكل مثلا ًسيئاً للمحبة داخل الكنائس وبينها. وكل شك يحصل عن يد كاهن إنما يأتي مضاعفاً. التحدي الثاني هو روح العالم الذي يقوى على روح المسيح. روح العالم دخل إلى الكنائس.
التحدي الثالث هو ضعف دور الكنيسة الاجتماعي نظراً إلى حاجة الناس والفقراء خاصة إلى من يكون بجنبهم.
إذا أكملنا التحديات سوف تطول اللائحة لكن كلنا نعلم ما هو دور المؤمن اليوم: أن نعيش إيماننا بمحبة لأن لا خلاص إلا بالمحبة المجانية لله وجميع الناس.

    1. نبحث عن القداسة.

     هل من مفهوم واحد للقداسة بين الكنائس؟ وهذه هي المشكلة أن كل كنيسة تسعى إلى الاتحاد بالله على طريقتها وتظن أن طريقتها هي الوحيدة. وتنتقد الآخرين أنهم لا يملكون الحقيقة.

    لقد دلّت التجارب وليس العقائد أن الروح القدس يعمل في نفوس ذوي الإرادات الصالحة.

    هناك من يعترف بخطاياه مباشرة لله وهناك من يعترف بواسطة الكاهن. وكلا الطريقتين إذا تمتا بصدق بلغتا الغاية ذاتها.

    القربان المقدس كالكتاب المقدس وكالأيقونة أحيانا ووسائل أخرى تساعد المؤمن أن يتعمق في جوهر الله

    فلماذا نفرض وسيلة وكأنها مطلقة للتقرب من الله.

    إن روح الله أقوى من الكنائس وعلى هذه الأخيرة الخضوع لهذا الروح لا أن يخضعوه. "لا تقيدوا الروح" يقول الكتاب.

    هناك بعض وجهات النظر داخل كل كنيسة تتباعد أكثر مما هي بين الكنائس. فلما لم يحدث انقسام. ألعل الظروف السياسية والاقتصادية والشخصية تلعب الدور الأهم في إيصال التنوع إلى أن يصبح خلاف ثم انقسام. الأمثلة كثيرة حتى في حياة لوثر والكاثوليك خمسماية سنة خلت. وكلنا يعترف أن لو لم تكن تلك الظروف لما كان انقسام.
اليوم الظروف تلك ولّت فهل ينتهي الانقسام؟ علّمنا التاريخ أن الفرقة سهلة جدا أما العودة إلى الاتحاد يتطلب بطولة كبرى وقد لا يحدث.
فلنصلي لا للوحدة بل للتواضع والقداسة. لن يكون سهلا أن يترك مسؤول موقعه. هذه أكبر عقبة اليوم في طريق الوحدة. وما خلا ذلك لم يعد اليوم كافيا لإحداث شرخ بين المؤمنين.

     

    وفي الخاتمة أطرح السؤال التالي: هل بإمكان الكاثوليكي أن يمارس إيمانه في اللوثرية ويخلص؟ واللوثري بالكثلكة ويخلص؟ ومن منا يجرؤ على الجواب نفيا. بالطبع نخلص. وما معنى نخلص؟ أي نتقدس ونسمو عن هذا العالم إلى عالم الروح. مهم التنوع في طرق الخلاص. والأهم احترام طرق الخلاص عند الآخرين كما لو كانت عندنا.

    إذا كان الطريق والحق والحياة هو المسيح. فمن قال إن الطريق هي محدودة المعالم وليست مفتوحة على احتمالات عدة. فالمسيح غني بالمبادرات ولا يجوز حصره بواحدة. ما أضيق محدوديتنا أمام طرق الله.

    لقد أطلق لوثر شعائر وأفكارا لكن من أتى بعده فسّرها بطرق قد لا يوافق لوثر عليها لو عاد. والمطالبة اليوم بالعودة إلى تعليم لوتر. وهذا ما يحصل في الكثلكة وسائر الكنائس. حتى قال أحد المفسّرين أنه إذا قرأ متى ومرقس ولوقا ويوحنا ما كُتب عنهم لما أدركوا بأن ما كتبوه هو منهم. التفسير تحريف ولو صدق. فحذاري من التاريخ لأنه يوقف عمل النعمة في حقبة معينة بحيث يتوقف التطور عند حادثة ما ولا تعود تمحى وكأن التاريخ توقف هناك. لننسى التاريخ نسيانا ذكيا، لأن الوحي كان البارحة وهو اليوم ويكمل غدا ولا يتوقف أبدا. فلدينا معا مشروع مشترك كما جاء  في الدعوة التي أطلقها البابا فرنسيس والقس منيب يونان في الإعلان المشترك للكاثوليك واللوثريين قائلَين:

    "ندعو جميع الرعايا والجماعات اللوثرية والكاثوليكية إلى أن يكونوا شجعان ومبدعين وفرحين ومملوئين بالرجاء في التزامهم بمتابعة المسيرة التي هي أمامنا. وبدل الصراعات الماضية يجب على عطيّة الوحدة التي يهبنا إياها الله أن تقود التعاون وتجعل تضامننا أعمق. وبفضل التقرب بالإيمان من المسيح، والصلاة المشتركة، والإصغاء لبعضنا البعض، وعيش محبة المسيح في علاقاتنا، ننفتح كاثوليكا ولوثريين على قوّة الله الواحد والثالوث، متجذرين في المسيح وشاهدين له. إننا نجدد تصميمنا على أن نكون رسلا أمناء لمحبة الله غير المحدودة للبشرية جمعاء". آمين.

تسجل في النشرات

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

© 2015 MelkitesSAIDA | by ActiveWeb ME